19 من ربيع الثاني 1441    الموافق   Dec 16, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات

منزلة "الدعوة إلى الأخلاق" في الشريعة الإسلامية


قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 23/8/2019م بعنوان (التخلي عن الأخلاق الذميمة والتحلي بالأخلاق الحميدة) ، وسيكون لنا وقفات مع هذه الخطبة.


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ثم أما بعد:

 

على مدى سنوات طويلة، والخطاب الديني وخاصة الرسمي منه والمسموح به وحتى المقبول إعلامياً ينحى منحى واحداً ألا وهو حصر الدعوة في المجال الأخلاقي وربط كل العُقد بها، فمشكلة المسلمين في نظر هذا الطرح تتلخص في أن أخلاق المسلمين انحدرت، وأنه بالدعوة إليها وجعلها محور دورانهم سيؤدي لا محالة إلى تغيُّر أحوالهم، وجاءوا بكل ما يسند أقوالهم من أحاديث وسنن الصحابة وحتى أبيات الشعر، محاولين إضفاء الشرعية على هذا المنهج.

لكن، ألا يتوجب علينا النظر بنظرة نقدية واعية ومستفيضة لهذا المنهج، خاصة وأننا نسمع ونرى الكثير من الأحداث التي تقشعر لها الأبدان وتوحي بأن أخلاق الأمة في تدهور مستمر وبشكل متسارع! فقد زادت مشاكلنا الاقتصادية وزاد فقرنا، واحتُلت بلادنا، وانتشر الجهل والفساد بكل أنواعه الأخلاقي والإداري والسياسي والعائلي... وانهارت الكثير من القيم وأصبح الإسلام غريباً في دياره، وتكلم فينا الرويبضات؛ كل هذا بالرغم من الجهود التي يبذلها دعاة هذا المنهج، سواء بحسن نية أم بسوئها!

ولمناقشة هذا الطرح وتبيان ما له وما عليه، وجب أن نتناوله من جوانب عدة لإزالة الغبش عن الأذهان وتصحيح مفاهيمه، فنقول وبالله التوفيق:

 

 

أولاً: إن الناظر إلى الشَّريعةَ الإِسْلامِيَّةَ يرى أنها تحتوي على أنظمة شاملة لمناحي الحياة، ويرى أنها حين فَصَّلَتِ الأَنظمَةَ تفصيلاً دقيقاً، كأَنظِمَةِ العباداتِ والمعاملاتِ والعقوباتِ، فإنَّها لَمْ تجَعَلْ للأَخْلاقِ نِظَاماً مُفَصَّلاً، وإنما عالَجَتْ أَحْكَامَ الأَخْلاقِ عَلَى اعتبارِ أَنَّها أَوَامِرُ ونواهٍ مِنَ اللهِ، دُونَ النَظَرِ إِلَى تفصيلِ أَنَّها أَخْلاقٌ يَجِبُ أَن تُعطَى جانباً خاصاً مِنَ العنايةِ يمتازُ عَلَى غَيْرِهِ، بَلْ هِيَ مِن حَيْثُ تفصيلُ الأَحْكَامِ، أَقَلُّ تفصيلاً مِن غَيْرها، وَلَمْ تَجْعَلْ لها في الفِقْهِ باباً خاصاً، فلا نَجِدُ في كُتُبِ الفقهِ الَّتِي تحوي الأَحْكَامَ الشَّـرْعيّـةَ باباً يُسَـمَّى بابَ الأَخْـلاقِ. وَلَمْ يُعْنَ الفقهاءُ والمُجْـتَـهِدونَ في أَمْـرِ الأَحْكَامِ الخُلُقِيَّةِ بالبحثِ والاستنباطِ.

 


ثانياً: إن الأَخْلاقُ لا تؤثِّرُ في قِيَامِ المجتمعِ بِحَالٍ، لأَنَّ المجتمعَ يَقُومُ عَلَى أَنظمةِ الحَيَاةِ، وتؤثِّرُ فِيهِ المشاعرُ والأَفْكَارُ، وأَمَّا الخُلُقُ فلا يُؤَثِّرُ في قِيَامِ المجتمعِ، ولا في رُقِيِّهِ أَوِ انحطاطِهِ، بَل المؤثرُ هُوَ العرفُ العامُّ الناجمُ عَنِ المَفَاهِيمِ عَنِ الحَيَاةِ، والمُسيِّرُ للمجتمعِ لَيْسَ الخُلُقُ، وإنما هِيَ الأَنظمةُ الَّتِي تُطَبَّقُ فِيهِ، والأَفْكَارُ والمشاعِرُ الَّتِي يحَمِلُها الناسُ والخُلقُ ذاتُهُ ناجِمٌ عَنِ الأَفْكَارِ والمشاعرِ ونتيجةٌ لتَطْبِيقِ النِظَامِ. فالأخلاق إنما هي من مقومات الفرد وليست من مقومات المجتمع.

 


ثالثاً: وعلى ذلك لا يَجُوزُ أَن تُحْمَلَ الدَعْوَةُ إِلَى الأَخْلاقِ في المجتمعِ، لأَنَّ الأَخْـلاقَ نتـائـجُ لأَوَامِـرِ اللهِ، فهيَ تأتي مِنَ الدَعْـوَةِ إِلَى العَـقِـيـدَةِ، وإلى تَطْبِيقِ الإِسْـلامِ بصفةٍ عَامَّةٍ. ولأَنَّ في الدَعْوَةِ إِلَى الأَخْلاقِ قلباً للمَفَاهِيمِ الإِسْلامِيَّةِ عَنِ الحَيَاةِ، وإبعاداً للناسِ عَنِ تَفهُّمِ حَقيقةِ المجتمعِ ومُقوِّماتِهِ، وتخديراً لَهُمْ بالفضائِلِ الفرديةِ يُؤَدِّي إِلَى الغَفْلَةِ عَنِ الوسائِلِ الحَقيقِيةِ لرُقيِّ الحَيَاةِ.
ولهذا كَانَ مِن الخطَرِ أَن تُجْعَلَ الدَعْوَةُ الإِسْلامِيَّةُ دَعْوَةً إِلَى الأَخْلاقِ، لأَنَّها توهِمُ أَنَّ الدَعْوَةَ الإِسْلامِيَّةَ دَعْوَةٌ خُلُقِيَّةٌ، وتَطْمِسُ الصُورَةَ الفِكْريَّةَ عَنِ الإِسْلامِ، وتَحُوُلُ دُونَ فَهْمِ الناسِ لَهُ، وتَصْرِفُهُمْ عَنِ الطَرِيقَةِ الوحيدةِ الَّتِي تؤدّي إِلَى تَطْبِيقِهِ وهيَ قِيَامُ الدَوْلَةِ الإِسْلامِيَّةِ.

 

فلقد رأينا كيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم المشاكل القائمة في المجتمع؛ فالرجل الذي كان يتسول لم يأمره رسول الله بحسن الخلق، وإن كان مما يجب أن يتصف به، وإنما سأله: «هَلْ فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟» قال في بيتي قطعة جلد وقربة. فقال له عليه الصلاة والسلام: «ائْتِنِي بِهِمَا». فذهب الرجل وأحضرهما، فأخذها رسول الله وقال: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَا؟» قال صحابي: أنا يا رسول الله. قال: «بِكَمْ؟» قال: بدرهم. فقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ يَزِيدُ؟» قال أحدهم: بدرهمين. فباعها رسول الله للرجل، ثم قال للرجل السائل: «خُذْ هَذَيْنِ الدِّرْهَمَيْنِ، وَاشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَاماً لِأَهْلِكَ وَبِالثَّانِي فَأْساً». فذهب الرجل وفعل كما أمره رسول الله، ثم جاء إلى رسول الله وبيده فأس، فأخذ النبي عليه الصلاة السلام الفأس ووضع فيه عوداً وقال له: «اذْهَبْ بِهَذَا الْفَأْسِ وَاحْتَطِبْ بِهِ، وَلَا تَأْتِ إِلَيْنَا إِلَّا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً». فذهب الرجل واحتطب وباع ما احتطبه، وبعد خمسة عشر يوماً جاء وقد كسب عشرة دراهم.

 

وجاءه شخص يشتكي من آخر فسمع منهما وحكم للمظلوم. وعند اعتداء يهود وخيانتهم لم يطلب صلى الله عليه وسلم من المسلمين أن يلتزموا الدعاء وإنما حرك الجيوش، فالإسلام استسلام لله وليس لأعداء الله. وعند وفاته صلى الله عليه وسلم أوصى بإنفاذ جيش أسامة... وبهذا يظهر أن أفضل البشر أخلاقاً صلى الله عليه وسلم كان يتعامل بحسب الوحي ويعالج كل أمر بما يقتضيه من حكم. فمن أين جاء أصحاب هذا الطرح أن التخلّق هو الحل؟! فلا يمكن بأي حال من الأحوال مطالبة الناس بالتخلق من أجل القضاء على الفقر أو الظلم أو الاحتلال، فهذا منطق معوج وقلب للمفاهيم وقصر عن فهم الإسلام وتشريعاته، بل هي محاولة يائسة لحصر الإسلام وجعله على سياق واحد مع بقية الأديان، وهذه النظرة الدونية للإسلام هي في حقيقتها نظرة تتوافق مع الرؤية العلمانية لمفهوم الدين ودوره في الحياة. ولو كان الأمر كذلك لاقتصر القرآن على آية واحدة، ولكانت الغاية من بعث الرسول صلى الله عليه وسلم هي جعل الأمم متخلّقة فقط، وهو ما يتنافى مع الغاية الأساسية للإسلام، ألا وهي إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.


لذلك نقول ختاماً: إن الأَخْلاقَ جزءٌ مِن هَذِهِ الشَّريعةِ، وقسمٌ مِن أَوَامِرِ اللهِ ونَوَاهِيهِ، لا بُدَّ مِنْ تَحقيقِها في نفسِ المُسْلِمِ ليتِمَّ عَمَلُهُ بالإِسْلامِ، ويَكْمُلَ قِيَامُهُ بأَوَامِرِ اللهِ. غَيْرَ أَنَّ الوصولَ إليها في المجتَمعِ كلِّهِ لا يكون إلا عن طريق إقامة الدولة الإسلامية التي تُوجد الحياة الإسلامية في المجتمع، فيدخُلَ الناسُ في الأَخْلاقِ أَفْواجاً تَبَعاً لدخولِهمْ في الإِسْلامِ أفواجاً.
فملثل ذلك فليعمل العاملون .


والحمد لله رب العالمين.


     
21 من ذي الحجة 1440
الموافق  2019/08/22م