23 من ربيع الاول 1441    الموافق   Nov 20, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات
ذكرى الهجرة.. ذكرى بناء الدولة الإسلامية الأولى
ودافعٌ لإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة

قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 30/8/2019 بعنوان (ذكرى الهجرة النبوية أمل واعد للأمة الإسلامية) ، وسيكون لنا وقفات مع هذه الخطبة.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ثم أما بعد:

تتجدد في كل عام مناسبة الهجرة النبوية فيخطب الخطباء في معانيها كحدث تاريخي، يكتفون بسردها تاريخياً وروايةً أو يُعرّجون على بعض الدروس والعبر البعيدة عن هدف الهجرة وحقيقتها، فكان لا بد من تقرير بعض الحقائق التي تُمثلها وتُركزها ذكرى الهجرة النبوية، فنقول وبالله التوفيق:

أولاً: جاءت الهجرة بعد طلب الرسول صلى الله عليه وسلم النصرةَ أكثر من خمس عشرة مرة، وذلك بعد أن أجاب الأوس والخزرج النصرة، بعد أن بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- مصعبَ بن عمير ليُعلّمهم الإسلام، ثم كانت البيعة، (بيعة العقبة الثانية، بيعة الحرب)... فكانت المدينة بذلك مكان قوة ومكان إقامة دولة الإسلام لا مكان الهروب و الفرار.


فمن أوَّل يومٍ في الدَّعوة الإسلاميَّة المبارَكة والرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم يعلَم أنَّه سيَخرُج من بلده مُهاجِرًا؛ ففي حديثه مع ورقة بن نَوفَل عندما اصطَحبَتْه زوجُه خديجة رضِي الله عنها إلى ابن عمِّها، عندها قال له ورقة: "هذا النامُوسُ الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتَنِي فيها جَذَعًا، ليتَنِي أكون حيًّا إذ يُخرِجك قومُك، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (أوَمُخرِجِيَّ هم؟!)، قال: نعم، لم يأتِ رجلٌ قطُّ بمثْل ما جئتَ به إلا عُودِي، وإنْ يُدرِكْني يومُك أنصُرْكَ نصرًا مُؤزَّرًا، ثم لم ينشَبْ ورقةُ أنْ تُوفِّي". ومن ساعَتِها عَلِمَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الطريق غير ممهَّد، وليس مَفرُوشًا بالورود، بل محفوفٌ بالمخاطر والمهالك، وأنَّه مُخرَجٌ من مكَّة حَتمًا لا مَحالة.


فالهجرة لم تكن نتيجة لتهديد حياة رسول الله ولم تكن فراراً ولا لجوءاً ولا طلباً للحياة والرزق، وليست غاراً ولا حمامة ولا حديثاً للمجالس، ولم يقف معنى الهجرة لدى المهاجرين عند حدود مفهوم النزوح أو اللجوء، فلم يكن المهاجرون هَمَلاً في قومهم ولا وضيعي النسب، ولا طالبي رزق وتحسين دخل، بل كانوا أصحاب دعوة مبدئية آمنوا بها، وخالط هذا الإيمان بشاشة قلوبهم، وتشبعت به نفوسهم؛ فملأ عليهم حياتهم، وهان كل شيء في هذه الحياة أمام إعلاء هذه الدعوة، فمن التفكير في المال أو الدار أو حتى الولد إلى الاستخفاف، وتأكدت هذه المعاني من خلال تواترها عند الصحابة، فهذا صهيب الرومي يساومه مشركو قريش عن ماله كله، لكنه يختار الانتصار لما في قلبه من إيمان، الله أكبر ما أعظمها من مواقف!


ولم يكن موقف الأنصار بأقل من إخوانهم المهاجرين في الانتصار للدعوة الإسلامية؛ فمنهم مَن بادر بعرض المَنعة والحماية على الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعتي العقبة، وهم مَن أحسن استقبال المهاجرين، وهم مَن اقتسموا معهم القوت والدور، وهم مَن أنزلوهم منزلة صاحب الدار لا طالبي اللجوء والمواقف الإنسانية، بل الجميع يدرك أن دولة الإسلام هذه طرازٌ فريد جديدٌ رحمة من رب السماء والأرض للإنسانية جمعاء تخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .

 

ثانياً: عندما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة وضع بنود دستور دولة الإسلام، وحدد العلاقات بين اليهود والمسلمين، وبين المسلمين أنفسهم، ثم أنشأ سوقاً للمسلمين..
وبذلك كانت دولةً ترعى الناس، وتُطبق الإسلام، ثم أصبحت دولةً تنافس دولة قريش، ثم أسقطت قريش، ثم قويت وهزمت أعتى حضارتين كانتا موجودتين آن ذاك -الفرس والروم-.
فكانت الهجرة هي الحدث السياسي الأبرز في تاريخ الإسلام والمسلمين على الإطلاق، ذلك لأنه لم يكن للمسلمين دولة ولا كيان، والإسلام لا يقوم بدون طريقته والأحكام لا تطبق بدون دولة؛ فالإسلام ليس ديناً كهنوتياً ولا بشرياً، ولا فكرة جميلة تدغدغ المشاعر، بل الإسلام دين منه الدولة، مبدأ وله طريقة، وطريقته تلك الدولة التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الطريقة ليست رواية؛ بل هي منهاج عمل واجبة على المسلمين.

 

ثالثاً: أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم الخروج عن هذا النظام، وشكل هذا النظام الذي وضعه، فقال: (كَانَت بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبياءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي، وسَيَكُونُ بَعدي خُلَفَاءُ فَيَكثُرُونَ، ففُوا بِبَيعَةِ الأَوَّلِ فالأَوَّلِ، ثُمَّ أَعطُوهُم حَقَّهُم، وَاسأَلُوا اللَّه الَّذِي لَكُم، فَإنَّ اللَّه سائِلُهم عمَّا استَرعاهُم) .

 

رابعاً: استمرت هذه الدولة وحافظ عليها المسلمون من عهد أبي بكر إلى عهد آخر خليفةٍ عثمانيّ، رغم ما اعتراها من ضعف في بعض الفترات.

وفي عام 1924م ، هُدمت الدولة التي أنشأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، و أُلغي تطبيق الإسلام وأصبح المسلمون يُحكمون بالكفر.


فيا أيها المسلمون...

إنه مما يجب إدراكه في ذكرى الهجرة، أن على المسلمين أن يقتدوا بنبيهم، وأن يقيموا دولة الإسلام كما بناها.
و أن يعملوا لإعادة تحكيم شرع الله كما أمر، واثقين بوعد الله سبحانه القائل: (وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰاۚ یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡـࣰٔاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَ ٰ⁠لِكَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ)

ومستبشرين ببشرى رسول الله عليه الصلاة والسلام : ( تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ الله ُأَنْ يَرْفَعَهَا ، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيّاً ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ، ُثمَّ سَكَتَ )


والحمد لله رب العالمين .


     
28 من ذي الحجة 1440
الموافق  2019/08/29م