19 من ربيع الثاني 1441    الموافق   Dec 16, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

من لم يحكم بما أنزل الله محرومٌ من شفاعة رسول الله ﷺ

 

 

قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 15/11/2019م بعنوان (شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته)، ولنا وقفات مع هذه الخطبة:

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

 

إن من أعظم النعم التي منّ الله سبحانه وتعالى بها على العباد، أن بعث فيهم سيدنا محمداً ﷺ نبياً ورسولاً فكان رحمةً مهداةً منه عزَّ وجلَّ، وسماهُ الله تعالى رؤوفاً رحيماً، فقال عز وجل: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾.

 

قال الله تبارك وتعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً [طه: 109-112]. يومئذ، يوم القيامة لا تنفع الشفاعة إلا ممن يأذن الله له ويقبل شفاعته بغيره ممن يستحق الشفاعة من المسلمين، واستحقاق الشفاعة هو الإيمان الصادق المخلص والعمل بلا إله إلا الله محمد رسول الله، فمن ادعى الإسلام وتولى الكفار واتخذ منهم بطانته وأهل سره ومشورته فلا شفيع له، ومن لم يحكم بما أنزل الله واتبع شرائع الكفار فلا شفيع له ولا ذمة. والله وحده تبارك وتعالى علام الغيوب يعلم الصادق والمخلص والمطيع والملتزم بشرعه وطاعته وطاعة رسوله ﷺ ، ويعلم سرهم وجهرهم وما يعملون بالليل والنهار وما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيط أحد من خلقه بعلمه سبحانه وتعالى. وعنت الوجوه للحي القيوم، خشعت وخضعت وذلت واستسلمت لوجهه تبارك وتعالى، وهنالك خاب وخسر من لم يؤمن ويخلص العمل لله الحي القيوم، ومن آمن وعمل الصالحات وأخلص في عمله والتزم بشرع الله فلا يخاف أن يصيبه ظلم ولا هضم ولا ضيم، فهو في رحمة الله وعنايته.

 

وقال رسول الله ﷺ : ( لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا )، رسول الله ﷺ خير البرية وخاتم الأنبياء والرسل شفيع من مات من المسلمين ولم يشرك بالله شيئا وإن اقترف بعض المعاصي، هذه رحمة رسول الله ﷺ بأمته، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن حرصه على أمته يدخر دعوته المستجابة ليشفع لها، وشرط الشفاعة الإيمان  بالله لقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً[النساء: 48]

 

وقال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة: 113]، الشفاعة لا تكون إلا لمن مات على التوحيد ولم يشرك بالله شيئا، ومن جاء يوم القيامة كافرا فإن له نار جهنم خالدا فيها. وقال الله أيضا: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ المدثر: 42-48] وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر: 18] أنذر الذين ظلموا أنفسهم وأشركوا بالله ولم يؤمنوا بالله ورسوله ﷺ أنهم سيأتون يوم القيامة ولا ينفعهم أقاربهم ولا أعوانهم ولا خدمهم ولا أسيادهم فقد تقطعت بهم الأسباب وغرتهم الحياة الدنيا فلا شفيع لهم ومأواهم جهنم وبئس المصير.

 

وعن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: ( يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْر ) البخاري.

 

أيها المسلمون...

 

في ظل هذه الأحاديث التي جاءت تُحدِّثنا عن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، جاء حديثٌ أخبرنا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أُناس من المسلمين لا ينالون تلك الشفاعات المخصوصة، فقال صلى الله عليه وسلم: (صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَنْ تَنَالَهُمَا شَفَاعَتِي: إِمَامٌ ظَلُومٌ غَشُومٌ، وَكُلُّ غَالٍ مَارِقٍ) رواه الطبراني. وإن وصف الإمام الظالم هو وصفٌ ملازمٌ لمن يحكم بغير ما أنزل الله، كما قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.

 

فهذا الحاكم بدلاً من أن يسعى لأن ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ...» رمى ذلك وراء ظهره وأقصى أحكام الإسلام عن حكمه، فكان ممن قال صلى الله عليه وسلم عنه: (صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَنْ تَنَالَهُمَا شَفَاعَتِي: إِمَامٌ ظَلُومٌ غَشُومٌ...)

 

وهذا ما نراه في بلاد المسلمين هذه الأيام، فالحكام قد استوردوا الأنظمة والقوانين من بلاد الكفار وفرضوها على المسلمين، فلم يقيموا وزناً لأحكام الإسلام، ولم يلتفتوا لما جاء به الإسلام من نظام اقتصادي ونظام اجتماعي ونظام حكم وغيرها... فهؤلاء لم ينحازوا للإسلام ولم ينحازوا لأمة الإسلام، بل على العكس من ذلك جعلوا انحيازهم لأعداء الإسلام، ولأحكام وعقائد الكفر، فبهذا الجرم العظيم حُرموا من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، قال الصنعاني في التنوير، شرح الجامع الصغير: ("صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي يوم القيامة: إمام ظلوم غشوم، وكل غالٍ مارقٍ" مع أنه تقدم أنها لكل من قال لا إله إلا الله، وأنها لأهل الكبائر. فهذا تخصيصٌ من ذلك العموم...) اهـ.

 

ولقد حذرنا الله تعالى من الركون إلى هؤلاء الظالمين فقال: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ} . وحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوف معهم ومعاونتهم، فعن جابر بن عبد الله: (أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: أعاذك الله مِن إمارة السُّفَهاء. قال: وما إمارة السُّفَهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدي، لا يقتدون بهديي، ولا يستنُّون بسنَّتي، فمَن صدَّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا منِّي ولست منهم، ولا يردوا على حوضي، ومَن لم يصدِّقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك منِّي وأنا منهم، وسيردوا على حوضي..)

 

فيا أيها المسلمون ويا جيوش المسلمين... نحذركم من عذاب الله وعقابه، نحذركم من تبرؤ رسول الله منكم، لا تكونوا في صف أعداء الإسلام، لا تركنوا إلى الظالمين، انحازوا إلى أمتكم، انحازوا إلى دينكم، وانصروا حملة الدعوة الذين أخذوا على عاتقهم إقامة حكم الله في الأرض، فتنالوا أجراً كأجر الأنصار الذين نصروا دعوة النبي صلى الله عليهم وسلم.

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}

 

والحمد لله رب العالمين.

     
17 من ربيع الاول 1441
الموافق  2019/11/14م