19 من ربيع الثاني 1441    الموافق   Dec 16, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

الجدل ..لإحقاق الحق وإبطال الباطل

مطلوب بضوابطه الشرعية

 

 

قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 22/11/2019م بعنوان (الحوار في الإسلام: مفهومه وآدابه)، ولنا وقفات مع هذه الخطبة.

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

 

يخلط كثيرٌ من الناس عند الحديث عن الجدل، بأن الجدل كله منهيٌّ عنه، وإذا ما جئت تُناقش أحدهم بفكرة من الأفكار الغربية المنتشرة بين الناس وبيان مخالفتها للإسلام، قاطعك بأن الجدل محرمٌ في الإسلام بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أَنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا).

 

ولبيان حقيقة الجدل والحكم الشرعي فيه وبيان آدابه نقول:

 

أولاً: الجدل هو التحاور، كما في قوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا) فسمّى اللهُ الجدلَ تحاوراً. وتعريفه: إدلاء كل من المختلفين بحجته أو بما يظن أنه حجة. والغرض منه نصرة رأيه أو مذهبه، وإبطال حجة خصمه ونقله إلى ما يراه صواباً أو حقاً. جاء في "المصباح المنير" عن الجدل: (استُعمل على لسان حملة الشرع في: مقابلة الأدلة لظهور أرجحها).

 

 

ثانياً: إن الجدل منه ما هو مطلوبٌ شرعاً، ومنه ما هو مذمومٌ شرعاً، فالمطلوب شرعاً هو ما كان لإحقاق الحق وإبطال الباطل، ودليله قول الله تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن)، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جادل مشركي مكة، ونصارى نجران، ويهود المدينة. وحامل الدعوة يدعو إلى الخير، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويصارع الأفكار المضللة، وحينما تعيّن الجدل أسلوباً لواجبٍ من هذه الأعمال، صار الجدل واجباً، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.


وأما المذموم شرعاً، فمنه الجدل الذي ليس في أمور الدين، وهو المراد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أَنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا)، جاء في تحفة الأحوذي: (قال الإمام حجة الإسلام: حدُّ المِراء الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه إما لفظاً، أو معنى، أو في قصد المتكلم، وترك المراء بترك الاعتراض والإنكار، فكل كلام سمعته فإن كان حقاً فصدِّق به، وإن كان باطلاً (ولم يكن متعلقاً بأمور الدين فاسكت عنه).

 

ومن الجدل ما يكون كفراً كالجدل في الله وآياته، قال تعالى: { وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} وقال: { مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} وقال: { لَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا}. والذي يكفر هو المنكِر لا المُثبِت، لأن المنكِر يُجادل ليدحض الحق، والمثبت يُجادل لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، كما قال تعالى: { وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ}.

 

ثالثاً: إن الكافر لا يُجادَل في فروع الشريعة؛ لأنه لا يُؤمن بأصلها، فلا يُجادل ولا يُناظر في الزواج من أربع، ولا في شهادة المرأة، ولا في الجزية، ولا في المواريث، ولا في تحريم الخمر، ولا غيرها، ويُقتصر معه في التحاور على أصول الدين التي أدلتها عقلية، لأن الغرض من الجدل هو نقله من الباطل إلى الحق، ومن الضلال إلى الهدى، ولا يكون ذلك إلا بنقله من الكفر إلى الإيمان. كما لا يُناظر النصراني ببطلان البوذية أو اليهودية، بل إن الكلام معه، في هذا وأشباهه، لا يُعتبر جدلاً، فالنصراني ليس بوذياً ولا يهودياً حتى تنقله منهما إلى الحق، وإنما يكون الكلام معه في عقيدته الباطلة، لنقله منها إلى الإسلام. ولذلك لا يقال نتحاور فيما اتفقنا عليه، ونترك ما اختلفنا فيه، لأننا مأمورون بجدالهم، والجدال لا يكون إلا فيما اختلفنا فيه، أما لو اتفق النصراني أو الرأسمالي مع المسلم على أن البوذية أو الشيوعية أو الاشتراكية مستقبحة عقلاً، وتكلما حولها، فإن هذا الكلام لا يسمى تحاوراً ولا جدلاً، وهو لا يبرئ ذمة المسلم من وجوب محاورته وجداله حتى ينقله إلى الإسلام، وكذلك لا يقال نتحاور مع الكفار فيما اتفقنا عليه، ونذر ما اختلفنا فيه إلى يوم القيامة، فيحكم الله ما يشاء عندئذ ويفصل بيننا، لا يقال هذا بمعنى أنه يُغني عن جدالهم، لأننا مأمورون بجدالهم فيما اختلفنا فيه، وإن لم نفعل نكن مقصرين. نعم إن الحكم لله في الدنيا والآخرة، لكن لا يجوز أن نخلط بين ما هو من فعل الله سبحانه وبين ما كلفنا به، فهذه حجة المقصر، بل شغب المقصر الذي لا دليل عنده ولا شبهة.

 

رابعاً: إن الاتفاق والاجتماع بحد ذاته ليس هو الغاية، وإنما الغاية هي الاتفاق والاجتماع على الحق، فلا يجوز التنازل عن شيءٍ من الحق من أجل الوصول إلى نقاطٍ مشتركة مع الطرف الآخر، ولقد نبَّهنا الله سبحانه وتعالى لذلك، فقال: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} فالدعوة إلى الحوار والالتقاء تكون وفق مبادئ الإسلام.

 

خامساً: لقد ذكر علماء المسلمين آداباً للالتزام بها عند الجدل، ونذكر منها:

 

أ‌)    أن يقدم تقوى الله، ويقصد التقرب إليه، ويبتغي مرضاته بامتثال أمره.


ب‌)    أن ينوي إحقاق الحق وإبطال الباطل، دون المغالبة والقهر والظفر بالخصم. قال الشافعي: (ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، وتكون عليه من الله رعاية وحفظ، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أُبالِ، بيّن الله الحق على لساني أو لسانه). وقال ابن عقيل: (كل جدل لم يكن الغرض فيه نصرة الحق فإنه وبال على صاحبه).


ج) أن لا يقصد المباهاة وطلب الجاه والتكسب والمماراة والرياء.

 

د) أن تكون طريقته في الجدل صالحة، وهيئته ومنظره صالحاً، فعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد، جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة» رواه أحمد وأبو داود وقال ابن حجر في الفتح إسناده حسن.

 

هـ) الإجمال في الخطاب بحيث يكون كلامه يسيراً جامعاً بليغاً، فالإكثار من الكلام يورث الملل، فوق أنه مظنة السقط والخلل والخطأ.


و) أن يتفق مع خصمه على أصل يرجعان إليه، وهو مع الكافر لا يكون إلا عقلياً، أما مع المسلم فالأصل إما العقل وإما النقل، فالعقل هو المرجع في العقليات وأما في الشرعيات فالنقل هو الأصل، لقوله تعالى: { فإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} أي إلى الكتاب والسنة.

 

ز) أن يتجنب الحدة والضجر. قال ابن سيرين: الحدة كنية الجهل. يعني في الجدل.


ح) أن لا يجحد الضرورة فيكون مكابراً، وذلك كمن يجحد عداوة الكفار للمسلمين، أو يجحد أن الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين هي أنظمة كفر، أي أنها لا تحكم بالإسلام.


ط) أن لا يقول قولاً مجملاً ثم ينقضه بعد ذلك في التفصيل، كأن يقول في أول كلامه أمريكا عدوة للإسلام والمسلمين، ثم بعد ذلك يقول إن أمريكا تساعد الفلسطينيين في إقامة دولتهم، وتقرير مصيرهم؛ لأنها تحب العدالة والحرية.


ي) أن لا يأنف من قبول الحق إذا ظهر على لسان خصمه، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وحتى يكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.


نسأل الله عز وجل أن يوفّق المسلمين لما يُحبه ويرضاه، وأن يرزقهم حسن الخطاب فيدحضوا أفكار الكفر وينشروا أفكار الإسلام، ونسأله سبحانه أن يمكنّ للمسلمين بإقامة دولة الخلافة الإسلامية فتنشر الإسلام بالدعوة والجهاد، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

والحمد لله رب العالمين.

     
24 من ربيع الاول 1441
الموافق  2019/11/21م