3 من صـفر 1442    الموافق   Sep 20, 2020

بسم الله الرحمن الرحيم




 

اللامبدئية قنطرةُ اللادينية

 

 

كتب الإمام الكوثري -المتوفى عام 1952م- مقالة بعنوان "اللامذهبيّة قنطرةُ اللادينية" حاول فيها بيان أن من انخرط بالسياسة دون التمسك بمذهب من المذاهب الأربعة فمآله إلى الإلحاد وما شابهه، أي أن اللامذهبية هي جسر للوصول إلى اللادينية.


وبعيداً عن صحة هذا القول بمجمله هكذا، وبعيداً عن انطباق هذا الوصف على الواقع أم لا، إلا أن ما أراده الكوثري من التمسك بالمذاهب هو من باب التمسك بالإسلام كمبدأ وعدم التنازل عنه، أي أراد التنبيه إلى أن السياسيّ المسلم لا بد أن يكون مبدئياً في دعوته، ولذلك يقول في مقدمة كلامه: (لا تجد بين رجال السياسة - على اختلاف مبادئهم - من يقيم وزناً لرجل يدّعي السياسة وليس له مبدأ يسير عليه ويكافح عنه باقتناع وإخلاص).

 

ولذلك فإن حقيقة الأمر أن يُقال أن المُحتم هو التمسك بمبدئية الإسلام سواء تمثلت بالمذاهب الأربعة أم بغيرها من المذاهب الإسلامية التي جعلت مرجعيتها الإسلام. وبعبارة أخرى فإن الأحرى أن نقول: أن (اللامبدئية قنطرة اللادينية)، وهذا ما تنطق به النصوص الشرعية، وما أثبته الواقع بشكل جليّ.

 

فالله سبحانه وتعالى أمر بأن تكون السيادة لمبدأ الإسلام وحده فقال: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}، وجاء رسول الله ﷺ إلى العالم برسالته سافراً متحدياً مؤمناً بالحق الذي يدعو إليه، متمسكاً بمبدئه دون أن يلتفت إلى شيء سوى رسالة الإسلام، وهذا ما أمره الله تعالى به فقال: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ...}، وعند نقاش الكفار جعل الحوار معهم وفق مبدأ الإسلام، فقال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.

 

وعند النظر في واقع "الحركات الإسلامية" التي دخلت السياسة دون أن تتخذ من الإسلام مبدأً لها فإننا نرى أنه انتهى بها الأمر إلى كونها حركات علمانية لا علاقة لها بالإسلام، ولا تُحاكم أفعالها على أساس الإسلام، ولا تنطلق في دعوتها من مبدأ الإسلام العظيم.

 

فحينما نرى حركات انطلقت لإقامة حكم الله في الأرض ثم انتهى بها الأمر إلى المناداة بالدولة المدنية، نقول: إن اللامبدئية قنطرة اللادينية.

 

وحينما نرى حركات قامت من أجل تحرير فلسطين وطرد كيان يهود ثم انتهى بها الأمر إلى السلام مع كيان يهود والمطالبة بحدود ال67، نقول: إن اللامبدئية قنطرة اللادينية.


وحينما نرى حركات صدّعت رؤوسنا بقتال العدو ثم انتهى بها الأمر إلى المفاوضات مع العدو، نقول: إن اللامبدئية قنطرة اللادينية.


وحينما نرى حركات قامت من أجل إسقاط الطاغية الذي يحكمهم، ثم انتهى بها الأمر إلى القبول بالمال السياسي فرضخت وذلّت، نقول: إن اللامبدئية قنطرة اللادينية.


إن هؤلاء كلهم لم يحملوا دعوة الإسلام بوصفها دعوة مبدئية، فكانت عدم مبدئيتهم جسراً يوصل إلى الانسلاخ من الأحكام الشرعية التي كانوا يرونها ثوابت لا يجوز التخلي عنها.


إن الحزب المبدئي هو الحزب الذي بحث طريقة حمله للدعوة قبل أن يباشرها، فكانت معرفته للحكم الشرعي سابقةً لتلبّسه بالعمل، وليس المباشرة بالعمل ثم البحث عن مبررات شرعية له!

 

إن الحزب المبدئي هو الحزب الذي رفض الانخراط بأنظمةٍ تطبق ما يُخالف مبدأه، متأسياً بفعل النبي ﷺ في ذلك.


إن الحزب المبدئي هو الحزب الذي رفض حكم الإسلام مجتزأً، فلم يجعل ذلك من أهدافه وإنما صدع بمخالفة ذلك للحكم الشرعي، واضعاً أمامه قول الله تعالى: { وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}.

 

إن الحزب المبدئي هو الحزب الذي ما فتئ في كشف عمالات الحكام وكشف المخططات السياسية التي تُحاك ضد المسلمين، دون أن يلتفت للأذى الذي سيلحقه من تلك الأفعال.


إن حزباً مبدئياً كهذا حريٌ بالأمة أن تلتف حوله وتسلمه قيادتها وتعمل معه لإقامة حكم الله في الأرض.

 

ختاماً...

 

يقول حزب التحرير مبيّناً مفاهيمه عن حمل الدعوة: (ويَقْتَضِي حَمْلُ الدَعْوَةِ الإِسْلامِيَّةِ أَن تَكُونَ السِيَادَةُ المُطْلَقَةُ لِلْمَبْدَأ الإِسْلاميِّ، بِغَضِّ النَظَرِ عَمَّا إِذَا وَافَقَ جُمْهُوَرَ الشَّعْبِ أَمْ خَالَفَهُمْ، وتَمَشَّى مَعَ عاداتِ الناسِ أَمْ نَاقَضَهَا، وقَبِلَ بِهِ النَاسُ أَمْ رَفَضُوهُ وقَاوَمُوهُ. فَحَامِلُ الدَعْوَةِ لا يَتَمَلَّقُ الشَعْبَ ولا يُدَاهِنُهُ، ولا يُدَاجِي مَن بِيَدِهِمُ الأُمُورُ ولا يُجَامِلُهُمْ. ولا يَعْبَأُ بِعاداتِ الناسِ وتَقَالِيدِهِمْ، ولا يَحْسبُ لِقَبُولِ النَاسِ إِيَّاهُ أَوْ رَفْضِهِمْ لَهُ أَيَّ حِسَابٍ، بَلْ يَتَمَسَّكُ بالمَبْدَأِ وَحْدَهُ، ويُصَرِّحُ بالمَبْدَأِ وَحْدَهُ، دُونَ أَنْ يُدْخِلَ في الحِسَابِ أَيَّ شَيْءٍ سِوَى المَبْدَأِ.)

 

ويقول أيضاً: (وحَمْلُ الدَعْوَةِ الإِسْلامِيَّةِ يَقْتَضِي الحِرْصَ عَلَى تَنْفِيذِ أَحْكَامِ الإِسْلامِ تَنْفِيذاً كامِلاً، وعَدَم التَسَاهُلِ في أَيَّ شَيْءٍ مَهْمَا قَلَّ، وحَامِلُ الدَعْوَةِ لا يَقْبَلُ المُهَادَنَةَ ولا التَسَاهُلَ، ولا يَقْبَلُ التَفْرِيطَ ولا التَأْجِيلَ، وإِنَّما يَأْخُذُ الأَمْرَ كامِلاً، ويَحْسِمُهُ عاجِلاً، ولا يَقْبَلُ في الحَقِّ شَفِيعَاً.)

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.

 

 

كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير/ ولاية الأردن:

الأستاذ أحمد أبوالمعتصم

 

 

 

     
25 من ربيع الثاني 1441
الموافق  2019/12/22م