10 من صـفر 1442    الموافق   Sep 27, 2020

بسم الله الرحمن الرحيم




 

 

بين نظرة الرأسمالية ونظرة

الإسلام لعلاقة الرجل والمرأة

 

 

 

تتزايد في هذه الأيام وتيرةُ الهجمة المنظمة من قِبل ما يسمّى مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات النسوية والحقوقية، على طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة في عالمنا الإسلامي، مستغلّين حوادث فردية بشعة تتعرض لها النساء في مجتمعاتنا الإسلامية -وهي بالطبع مُدانة- لكنهم يضخمونها إعلامياً وسياسياً، ليسوقوها دليلاً على مطالباتهم بأخذ التشريعات الدولية والمفاهيم والمقاييس الرأسمالية لتنظيم العلاقة بينهما، ويطرحوا مظلومية المرأة المسلمة، وعدم إعطائها حقوقاً كالرجل في العمل والميراث وتقلد المناصب المختلفة، فيعقدون المؤتمرات ويوقعون الاتفاقيات الدولية المنسجمة مع هذه المفاهيم والمقاييس الرأسمالية، ويطرحون البدائل المستوردة الجاهزة المعلّبة منادين بعلو صوتهم بضرورة تقليد الحضارة الغربية بأخذ مفاهيمها ومقاييسها لتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمعاتنا، دون تدبر لنتائج تطبيق هذه المفاهيم والمقاييس على مجتمعاتنا، وما ستجرّه من ويلات ودمار وندم. وما كان لهؤلاء الناقلون والمقلدون العاملون لتهديم الناحية الاجتماعية عند المسلمين تحت اسم إنهاض المرأة وحقوقها وتمكينها، من أن يعلو صوتهم لولا تطبيق النظام الرأسمالي في البلاد الإسلامية، الذي يحرسه عملاء نصبهم الكافر المستعمر من حكام وكُتّاب وسياسيين وأحزاب صنعها ومؤسسات دعمها.


فما هي نظرة الغرب إلى الصلات بين الرجل والمرأة التي يبشرنا بها دعاة حرية المرأة وحقوقها، وماذا جرّت هذه النظرة على المرأة الغربية ومجتمعاتهم؟ وما هي نظرة الإسلام إلى الصلات بين الرجل والمرأة؟


بدايةً، يُعرف النظام الاجتماعي بأنه النظام الذي ينظم اجتماع المرأة بالرجل، والرجل بالمرأة ، وينظم العلاقة التي تنشأ بينهما عن اجتماعهما، وكل ما يتفرع عن هذه العلاقة. ونجد أن أي نظام اجتماعي ينبثق أساساً من النظرة التي يحددها مجتمع معين إلى الصلات بين الرجل والمرأة.



وبالتدقيق في نظرة الغرب إلى الصلات بين الرجل والمرأة نجدها مسلّطة على صلة الذكورة والأنوثة، أي على الصلة الجنسية، لذلك كان إيجاد الواقع المادي، والفكر الجنسي المثيرين عند الرجل والمرأة أمراً ضرورياً لإثارة الغريزة حتى تتطلب إشباعاً، لذلك دأبوا على تعمّد إيجاد الواقع المادي والفكر الجنسي أمام الرجل والمرأة لإثارة غريزة النوع من أجل إشباعها، ورأوا أن عدم إشباعها يسبب الكبت الذي يؤدي إلى أضرار جسمية، ونفسية، وعقلية على حد زعمهم،  ومن هنا نجد المجتمع الغربي تكثر فيهما الأفكار الجنسية في القصص، والشعر، والمؤلفات، وغير ذلك، ويكثر فيه الاختلاط بين الرجل والمرأة لغير حاجة، وما حفلات الغناء المختلطة، واختلاط الرجل والمرأة في المنتزهات والطرقات وفي السباحة وغيرها الكثير إلا تطبيق لهذه النظرة؛ لأنهم يعتبرون هذا أمراً ضرورياً ويتعمدون إيجاده، وهو جزء من تنظيم حياتهم، وجزء من طراز عيشهم.



ولا نحتاج لكثير من الاستدلال لبيان ما جّرته هذه النظرة على المجتمعات الغربية من تفكك وضياع، فالأسرة الغربية إن صح وجودها أصلاً، تعاني من التمزق وتردّي العلاقة بين الآباء والأبناء ومن الشذوذ الجنسي والأمراض النفسية. ومتابعةٌ بسيطةٌ لما يصدر من دراسات اجتماعية تعجّ بها المواقع الإلكترونية عن حال المرأة الغربية وما تعانيه، نجد النسب المخيفة عن حالات الإنجاب خارج مؤسسة الزواج، ونسب الطلاق والاغتصاب وسلعنة المرأة، كل ذلك يُوضح نتائج هذه النظرة وخطرها على أيّ مجتمع، بل إن بعض مفكري الغرب تنبهوا لهذا الخطر مبكراً،  كالمؤرخ الإنجليزي "أرنولد توينبي" الذي كتب عما يقارب عشرين حضارة مندثرة أو باقية آثارها، فذكر "أن من الظواهر المشتركة في انهيار جميع الحضارات أنها تنهار عندما ينتشر الترف وتخرج المرأة من البيت وتنشغل عن تربية الأبناء"، وكذلك المؤرخ الألماني "شبنجلر" الذي كتب "إن كل حضارة من الحضارات تنهار وتتدمر إذا خرجت المرأة واهتمت بشهواتها ونزواتها وتركت الأسرة، فضاعت الأسرة وضاعت الفضيلة من المجتمع". وبعد كل هذا تأتي مؤسسات المجتمع المدني وغيرها لتبشرنا بالخير العميم الذي سيطال المجتمع من تطبيقنا للنظام الاجتماعي المستند لمفاهيم ومقاييس الغرب الرأسمالي، ألا يستحون؟!



أما نظرة المسلمين الذين يعتنقون الإسلام المؤمنين بعقيدته وأحكامه، لصلات الرجل والمرأة في المجتمع، فإنها نظرةٌ لبقاء النوع، التي على أساسها انبثق النظام الاجتماعي في الإسلام، فنظّم صلات المرأة بالرجل تنظيماً طبيعياً تكون الناحية الروحية أساسه، والأحكام الشرعية مقياسه، بما في ذلك الأحكام التي تحقق القيمة الخُلقية، وبهذا النظام يمكن اجتماع المرأة والرجل في الحياة العامة، والتعاون بينهما دون أي محذور، الذي يضمن بدوره هناء الحياة، لأنه لا صلاح للجماعة إلا بتعاونهما، باعتبار أنهما أخوان متضامنان تضامن مودة ورحمة، فخلق الله الإنسان امرأة أو رجلاً في فطرة معينة، لا يختلف أحدهما عن الآخر في الإنسانية، ولا يمتاز أحدهما عن الآخر في شيء من هذه الإنسانية، وقد هيأهما لخوض معترك الحياة بوصف الإنسانية، وجعلهما يعيشان حتماً في مجتمع واحد، وجعل بقاء النوع متوقفاً على اجتماعهما، وعلى وجودهما في كل مجتمع، فلا يجوز أن ينظر لأحدهما إلا كما يُنظر للآخر، بأنه إنسانٌ يتمتع بجميع خصائص الإنسان ومقومات حياته.



وشتان بين نظرة الرأسمالية للصلات بين الرجل والمرأة القائمة على الذكورة والأنوثة، أي النظرة الجنسية ، ونظرة الإسلام القائمة على بقاء النوع الذي تكون الناحية الروحية أساسه، والأحكام الشرعية مقياسه، ومن أجل ذلك يعتبر الإسلام وجود الأفكار الجنسية بين الجماعة أمراً يؤدي إلى الضرر، ويُعتبر وجود الواقع المادي الذي يثير النوع أمراً يؤدي إلى الفساد، لذلك جاء ينهى عن الخلوة بين الرجل والمرأة، وجاء ينهى عن التبرج والزينة للأجانب، وينهى كلاً من الرجل والمرأة عن النظر للآخر نظرة جنسية، وبهذا يظهر ما في الإسلام من نظرة الطهر والفضيلة والعفاف ونظرة هناء الإنسان وبقاء نوعه.



وفي الختام نقول: صحيحٌ أن هذه الهجمة الشرسة وضعت المرأة المسلمة في تحدٍ خطير، اختلفت فيه درجة الاستجابة، ما بين امرأة مسلمة حائرة قلقة مضطربة تنقل الحضارة الغربية دون أن تفهمها أو تعي حقيقتها، وبين امرأة جامدة لا تنفع نفسها ولا ينتفع المسلمون بجهودها، وبين امرأة فهمت دينها وتلقت الإسلام تلقياً فكرياً، فحملته للناس داعيةً لنهضته ورُقيه، ساعيةً جنباً لجنب مع أخيها الرجل لقلع هذه الأنظمة الجاثمة على قلوبنا، وفضح سياساتها وكل من التف حولهم من أحزاب ومنظمات شاركت هذه الأنظمة جرائمها في بث سموم الغرب الكافر في مجتمعنا الإسلامي.


فالولاء لله والذود عن أحكامه هو واجب شرعي على كل مسلم ومسلمة، والعمل الجاد لاستئناف الحياة الاسلامية وعودة النظام الكفيل بحمايتها ورعايتها حق الرعاية ألا وهو النظام الربانيّ بأحكامه الشاملة في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتعليم والصحة... خلافة راشدة على منهاج النبوة.

قال تعالى: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)



كتبه للمكتب الاعلامي لحزب التحرير/ ولاية الاردن:

الأستاذ عمر محمد الفاروق

 

     
28 من ربيع الثاني 1441
الموافق  2019/12/25م