3 من صـفر 1442    الموافق   Sep 20, 2020

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات:

حمل الدعوة الإسلامية.. بين واجبات الدولة وواجبات الجماعات والأفراد.

 

قررت وزارة الأوقاف في الأردن أن تكون خطبة الجمعة الموحدة لتاريخ 24/1/2020م بعنوان (الكلمة الطيبة، وأثرها في الدعوة إلى الله تعالى)، ولنا وقفات مع هذه الخطبة.

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

بدايةً عند الحديث عن الدعوة إلى الله لا بد من الإشارة إلى نقطة هامّة، أنه ممّا يثير كلّ حفيظة لدى المرء، عندما تطرح وزارة الأوقاف مواضيع خطبة الجمعة تجعلها مقتصرة على الأفراد العُزَّل وكأن خطاب الشارع لم يوجَّه إلا لهم! واستُثنيَ الحاكم ونظامه كاملاً، وهم أوْلى الناس بالخطاب، ، ولذلك نقول:

 

أولاً: إن حمل الدعوة الإسلامية فرض على جميع المسلمين لقوله تعالى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} أي ولأنذر من بلغه. فالإنذار هو لكم وهو كذلك إنذار لمن تـقـومـون بتبليغه إياه، فهو دعوة لهم بأن يبلغوه عن الرسول ﷺ، يعني أنه ليس إنذاراً لكم فحسب، بل هو إنذار لكم ولكل من يـبـلـغـه، أي بلِّـغـوه. وقـولـه ﷺ: «نَضَّرَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْر} والخير هنا هو الإسلام. وقوله تعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} أي إلى دين الله. فهذه كلها نصوص تدل على أن حمل الدعوة فرض، وهي عامة تشمل المسلمين وتشمل الدولة الإسلامية.

 

ثانياً: إن حمل الدعوة الإسلامية كما هو فرض على المسلمين هو كذلك فرض على الدولة. وهو وإن كان جزءاً من تطبيق الشرع في العلاقات، وحُكماً من أحكامه، ويجب أن تطبقه الدولة كما يطبقه الفرد، إلا أنه، أي حمل الدعوة الإسلامية بالنسبة للدولة، يعتبر الأساس الذي تقوم عليه علاقاتها مع الدول الأخرى، أي هو الأساس الذي تبنى عليه سياسة الدولة الخارجية كلها، ومن هنا كان حمل الدعوة الإسلامية هو العمل الأصلي للدولة.

 

ودليل ذلك قول الرسول ﷺ وفعله، فإنه ﷺ يقول: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» وقوله: «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» والخيل كناية عن استمرار وجوب الجهاد، وقوله: «وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، لا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلا عَدْلُ عَادِلٍ». فكونه أمر بالقتال حتى يقول من يقاتلهم لا إله إلا الله محمد رسول الله دليل على وجوب حمل الدعوة على الدولة، وكون هذا الحمل، وهو الجهاد، ماضياً إلى أن يقاتل آخر الأمة الدجال دليل على أنه عمل الدولة الدائم الذي لا يحل أن ينقطع في حالة من الحالات، وبذلك يدل الحديثان معاً على أن حمل الدعوة عمل دائم لا ينقطع؛ فهي إذن العمل الأصلي؛ لأن العمل الأصلي هو الذي يستمر القيام به في جميع الحالات من غير انقطاع. ثم إن الرسول ﷺ كان في جهاد دائم منذ أن استقر بالمدينة إلى أن التحق بالرفيق الأعلى، وكان الجهاد هو عمله الأصلي. وجاء الخلفاء الراشدون من بعده فاستمر عملهم الأصلي هو الجهاد. فالدولة التي أقامها الرسول ﷺ وهو يرأسها كان عملها الأصلي هو الجهاد، والدولة بعد وفاة الرسول ﷺ حين تولاها خلفاؤه من الصحابة رضوان الله عليهم كان عملها الأصلي هو الجهاد؛ وعلى ذلك فإن دليل كون حمل الدعوة الإسلامية عمل الدولة الأصلي هو السنة وإجماع الصحابة.

 

فأين وزارة الأوقاف عن حمل الدعوة الواجب على الدولة؟! ألا تذكرها به وتدعوها إلى القيام به وتطبيقه!

 

ثالثاً: أما بالنسبة إلى الأفراد فكما قلنا يجب عليهم حمل الدعوة، ولا يخفى على عاقل ما آل إليه حال المسلمين اليوم من ضعف وهوان، وهذا أمرٌ دافعٌ إلى شحذ الهمم وغذ السير لانتشال المسلمين من حالة الضعف ورفعهم ليكونوا أعزاء أقوياء كما أراد الله لهم أن يكونوا {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ}. فالأصل أن يبذل كل مسلم جهده في سبيل الدعوة إلى الإسلام. وهنا ننبه على أمرين:

 

أولهما: أن دعوة الأفراد لا بد أن تكون بالحكمة والموعظة الحسنة كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}.وهي غير الدعوة لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة الدولة الإسلامية التي لا تكون إلا بعمل جماعي أي تكتل له أمير، متخذة من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم طريقة ملزمة لكيفية إقامتها. أما دعوة الناس إلى الإسلام فإن الآية تبين أن الناس يدعون إلى دين الله بثلاث طرق،

أحدها: الدعوة بالحكمة، والحكمة هنا هي البرهان العقلي وهي الحجة الدامغة والقول المقنع لأن هذا هو الذي يؤثر في النفوس؛ أي نفوس، لأن الإنسان لا يملك أن يغلق عقله أمام البراهين القاطعة وأمام الفكر القوي، ولذلك كانت الدعوة بالحجة والبرهان مؤثرة على المفكرين ومؤثرة على غير المفكرين، ويخشاها الكفَرة والملحدون، كما يخشاها الضالون المضلون لأنها تكشف زيف الباطل وتضيء وجه الحق، وهي التي تكون ناراً تحرق الفساد ونوراً يهدي إلى الصلاح.

أما الطريق الثاني من طرق الدعوة: فهو الموعظة الحسنة، وهي تعني التذكير الجميل وهو يعني إثارة مشاعر الناس حين مخاطبة عقولهم وإثارة أفكارهم حين مخاطبة مشاعرهم حتى يصحب إدراكهم لما يدعون إليه حماس للعمل به وللعمل له.

أما الطريق الثالث: فهو الجدال بالتي هي أحسن، وهو النقاش الذي يُحصر بالفكرة ويأخذ دور الهجوم ويعمد فيه صاحبه إلى نقض الحجج الباطلة وإعطاء الحجج الصادقة مع تحري الوصول إلى الحق، ولذلك يحتوي أمرين: هدماً وبناء، نقضاً وإقامة براهين.

 

ثانيهما: أن هذه الطرق الثلاث في الدعوة، جميعها لا بد أن يقال فيها الحق أينما كان القائل، أمام الحكام أم أمام الناس، ويجب أن يعطي فيها الفكرة صريحة واضحة، ويجب أن يكون متحدياً سافراً مؤمناً بالحق الذي يدعو إليه، يتحدى الدنيا بأكملها، يتحدى الحكام والجبابرة، ويعلن الحرب على الأحمر والأسود من الناس دون أن يحسب أي حساب لعادات أو تقاليد أو أديان أو عقائد أو حكام أو سوقة، ولا يلتفت إلى شيء سوى رسالة الإسلام.

 

فإن رسول الله ﷺ بادأ قريشاً بذكر آلهتهم وعابها، وتحداهم في معتقداتهم وسفّهها وهو فرد أعزل لا عُدّة معه ولا مُعين له ولا سلاح عنده سوى إيمانه العميق بالإسلام الذي يدعوه إليه، ولم يأبَهْ بعادات العرب وعقائدهم ولم يجاملهم بها ولم يراعهم في شأنها، فقد تلا عليهم قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ)،(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)، (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ *مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ)، وكانت قريش تتمنى لو يهادنهم، قال تعالى: (ودّوا لو تُدهِن فيُدهِنون)، ولكن ظل في هجومه الصاعق حتى أزال الكفر، وكذلك حملة الدعوة يجب أن تكون دعوتهم سافرة متحدية في قوة الإعصار الجارفة، تحمل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله إلى الناس أجمعين، وهذه الدعوة هي دعوة الله فلها النصر والتمكين والوعد من الله، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا  وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون}

 

والحمد لله رب العالمين.

 

     
28 من جمادى الأولى 1441
الموافق  2020/01/23م