2 من ربيع الاول 1439    الموافق   Nov 21, 2017

بسم الله الرحمن الرحيم




نداءات القرآن للمؤمنين
نهى الله عباده المؤمنين عن خيانة الله والرسول


يَقُولُ اللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ). (الأنفال 27) نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنْ سُورَةِ الأَنفَالِ كَمَا قَالَ الـمُفَسِّرُونَ فِي قِصَّةِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ أَبِي لُبَابَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه مَعَ حَوَادِثَ أُخرَى، وَتَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ الأَمَانَةِ، وَأَنَّ أَدَاءَهَا دَلِيلٌ عَلَى استِقَامَةِ الـمُؤْمِنِ وَنَزَاهَتِهِ، وَمَعْنَى خِيَانَةِ الـمُؤْمِنِ للهِ وَرَسُولِهِ هُوَ أَنْ يُضَيَّعَ حَقَّ اللهِ، وَحَقَّ رَسُولِهِ فِي الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، فَلَا يَمتَثِلُ مَا أَمَرَ بِهِ، وَلَا يَجْتَنِبُ مَا نَهَى عَنهُ، أَوْ أَنْ يُوَالِي أَعْدَاءَ اللهِ وَرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَكُلُّ مَنْ فَعَلَ شَيئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ خَائِنٌ للهِ وَرَسُولِهِ وَأَمَانَتِهِ.


قَالَ عَبْد الرَّزَّاق بْن أَبِي قَتَادَة وَالزُّهْرِيّ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِر حِين بَعَثَهُ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم إِلَى بَنِي قُرَيْظَة؛ لِيَنْزِلُوا عَلَى حُكْم رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَشَارُوهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقه أَيْ إِنَّهُ الذَّبْح، ثُمَّ فَطِنَ أَبُو لُبَابَة، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَحَلَفَ لَا يَذُوق ذَوَاقًا حَتَّى يَمُوتَ، أَوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَانْطَلَقَ إِلَى مَسْجِد الْمَدِينَة، فَرَبَطَ نَفْسه فِي سَارِيَة مِنْهُ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ تِسْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى كَانَ يَخِرّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مِنْ الْجَهْدِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه تَوْبَتَهُ عَلَى رَسُوله، فَجَاءَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَهُ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَرَادُوا أَنْ يَحُلُّوهُ مِنْ السَّارِيَة، فَحَلَفَ لَا يَحُلّهُ مِنْهَا إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، فَحَلَّهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي كُنْت نَذَرْت أَنْ أَنْخَلِع مِنْ مَالِي صَدَقَة فَقَالَ: "يَجْزِيك الثُّلُث أَنْ تَصَدَّقَ بِهِ".


وَقَالَ اِبْنُ جَرِيرِ الطَّبَرِيّ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا يُونُس بْنُ الْحَارِثِ الطَّائِفِيّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَوْن الثَّقَفِيّ عَنْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة قَالَ: "هَذِهِ الْآيَة (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّه وَالرَّسُول) نَزَلَتْ فِي قَتْل عُثْمَان رضي الله عنه". قُلْتُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْآيَة عَامَّة وَإِنْ صَحَّ أَنَّهَا وَرَدَتْ عَلَى سَبَب خَاصّ، فَالْأَخْذ بِعُمُومِ اللَّفْظ لَا بِخُصُوصِ السَّبَب عِنْد الْجَمَاهِير مِنْ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ السُّدِّيّ: إِذَا خَانُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَقَدْ خَانُوا أَمَانَاتِهِمْ. وَقَالَ أَيْضًا: كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الْحَدِيث، فَيُفْشُونَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَن بْنُ زَيْدٍ: "نَهَاكُمْ أَنْ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُول كَمَا صَنَعَ الْمُنَافِقُونَ". فَكَيفَ تَكُونُ خِيَانَةُ اللهِ وَالعِيَاذُ بِالله؟ وَكَيفَ تَكُونُ خِيَانَةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَالأمَانَاتِ؟ وَمَا هِيَ هَذِهِ الأَمَانَاتُ؟


وَالأَمَانَاتُ تَعُمُّ جَمِيعَ مَا يَجِبُ عَلَى الـمُسْلِمِينَ مِنْ حُقُوقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ التَّوحِيدِ وَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزكاةِ وَالصِّيَامِ وَالكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ، وَالحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ، وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالأَمْرِ بِالـمَعرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الـمُنكَرِ، وَحَمْلِ رِسَالَةِ الإِسلَامِ، وَتَبلِيغِهِ لِلنَّاسِ كَافَّةً، وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُؤْتَمَنٌ عَلَيهِ وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ العِبَادُ، كَمَا تَشْمَلُ أَيضًا حُقُوقَ العِبَادِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ كَالوَدَائِعِ، وَغَيرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأتَمِنُ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْ غَيرِ إِظْهَارِ بَيِّنَةٍ عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَدَائِهَا، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فِي الدُّنيَا أُخِذَ مِنْهُ ذَلِكَ يَومَ القِيَامَةِ، فَالتَّفرِيطُ فِي هَذِهِ الوَاجِبَاتِ كُلِّهَا، أَوْ نَقْصُهَا مِنَ الخِيَانَةِ للهِ وَرَسُولِهِ.


قَالَ ابنُ كَثِيرٍ بَعدَ أَنْ ذَكَرَ أَسْبَابَ نُزُولِ الآيَةِ قُلْتُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الآيَةَ عَامَّةٌ، وَإِنْ صَحَّ أَنَّهَا وَرَدَتْ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، فَالأَخْذُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ عِندَ الجَمَاهِيرِ مِنَ العُلَمَاءِ. وَالخِيَانَةُ تَعُمُّ الذُّنُوبَ الصِّغَارَ وَالكِبَارَ اللَّازِمَةَ وَالـمُتَعَدِّيَةَ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) ـ الأَمَانَةُ: الأَعْمَالُ الَّتِي ائْتَمَنَ اللهُ عَلَيهَا العِبَادَ، يَعْنِي الفَرِيضَةَ يَقُولُ: (لَا تَخُونُوا) أي لَا تَنقُضُوهَا، وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ: (لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ)، يَقُولُ بِتَرْكِ سُنَّتِهِ وَارتِكَابِ مَعْصِيَتِهِ.
وَقَالَ محمد بنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي محمد بنُ جَعْفَرَ بنُ الزُّبَيرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ فِي هَذِهِ الآيَةِ، أَيْ لَا تُظْهِرُوا لَهُ مِنَ الحَقِّ مَا يَرْضَى بِهِ مِنْكُمْ، ثُمَّ تُخَالِفُوهُ فِي السِّرِّ إِلَى غَيرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ هَلَاكٌ لَأَمَانَاتِكُمْ، وَخِيَانَةٌ لِأَنفُسِكُمْ. وَقَالَ أَبُو عَبدِ اللهِ القُرطُبِيُّ فِي تَفسِيرِ الآيَةِ المَذكُورَةِ: وَالأَمَانَاتُ: الأَعْمَالُ الَّتِي ائْتَمَنَ اللهُ عَلَيهَا العِبَادَ، وَسُمِّيَتْ أَمَانَةً؛ لأَنَّهَا يُؤْمَنُ مَعَهَا مِنْ مَنَعِ الحَقِّ.


وَقَالَ الشَّيخُ محمد الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُور عِندَ تَفسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: فَالإِيمَانُ وَالطَّاعَةُ للهِ وَرَسُولِهِ عَهْدٌ بَينَ الـمُؤمِنِ وَبَينَ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَكَمَا حُذِّرُوا مِنَ الـمَعصِيَةِ العَلَنِيَّةِ حُذِّرُوا مِنَ الـمَعصِيَّةِ الخَفِيَّةِ، وَتَشمَلُ الخِيَانَةُ كُلَّ مَعصِيَةٍ خَفِيَّةٍ، فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي (لَا تَخُونُوا)؛ لأَنَّ الفِعْلَ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ يَعُمُّ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَلِلأَمَانَةِ شَأْنٌ عَظِيمٌ فِي استِقَامَةِ أَحْوَالِ الـمُسلِمِينَ مَا ثَبَتُوا عَلَيهَا، وَتَخَلَّقُوا بِهَا، وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى نَزَاهَةِ النَّفْسِ وَاستِقَامَتِهَا. وَقَدْ زُرْتُ فِي بِلَادِي مَصْنَعًا لِلْمَوَادِّ الغِذَائِيَّةِ، فَاستَوقَفَتْنِي عِبَارَةٌ كُتِبَتْ بِخَطٍّ جَمِيلٍ هَذَا نَصًّهَا: "اليَدُ العَامِلَةُ ثَمِينَةٌ مَا دَامَتْ أَمِينَةً، فَإِنْ خَانَتْ هَانَتْ!!".
وَنَخْتِمُ بِمِسْكِ الخِتَامِ بِعِبَارَةٍ قَالَهَا الفَارُوقُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه وَأَرضَاهُ الَّذِي قَالَ عَنهُ نَبِيُّنَا الكَرِيمُ صلى الله عليه وسلم: "لَمْ أرَ عبقريًّا يَفرِي فَريَهُ" أَيْ يَصنَعُ مِثلَ صَنِيعِهِ، فَجَمَعَ صَلَاحَ الأَمْرِ (أي الحُكْمِ) فِي ثَلَاثٍ: أَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَالأَخْذِ بِالقُوَّةِ، وَالحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ".

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يُؤَدُّونَ الأَمَانَاتِ حَقَّ أَدَائِهَا، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ يَخُونُونَ أَمَانَاتِهِمْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. اللَّهُمَّ مُنَّ عَلَينَا بِخَلِيفَةٍ وَاعٍ عَلَى أَحْكَامِ الإِسلَامِ كَعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، يَخْضَعُ وَيُخضِعُ النَّاسَ لِأَحْكَامِ اللهِ، ويُؤَدِّي الأَمَانَةَ، وَيَأْخُذُ بِالقُوَّةِ؛ لِيَجْعَلَ النَّاسَ يُؤَدُّونَ الحُقُوقِ لِأَصْحَابِهَا، وَيَحْكُمُهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ!!


كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير
الأستاذ: محمد النادي

 

     
12 من محرم 1439
الموافق  2017/10/02م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد