26 من ربيع الاول 1439    الموافق   Dec 13, 2017

بسم الله الرحمن الرحيم




الوعي بين الادعاء والحقيقة


إن الوعي هو الإدراك العميق لواقع الشيء المراد بحثه، إدراكًا لماهيته، ولكل ما يتعلق به، سواء أكان بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، ومعرفة الأسباب والمسببات الكامنة، فعند قولنا: وعيتُ الشيء: أي وقفتُ عليه فهمًا متعمقًا فيه، لا يشوبه شائبة، ففي الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ» (رواه البخاري)، وفي الأثر عن أَبي أمامه: «لا يُعَذِّبُ اللهُ قَلْباً وَعَى القُرآنَ»، قال ابن الأَثير: «أَي عقَلَه إِيمانًا به وعَمَلاً، فأَما من حَفِظ أَلفاظَه وضَيَّعَ حُدوده فإِنه غير واعٍ لهَ». فالوعي هو إدراكٌ وفهمٌ لواقع الشيء إدراكًا عميقًا والإحاطة به من جميع جوانبه، فإذا بَهُت في جانب كان الوعي فيه شائبة، ولا يعتبر عمقًا وإدراكًا حقيقيًا، والوعي له ركنان أساسيان لا ينفصلان أبداً وهما:

 


الركن الأول: الوعي على الواقع وعيًا حقيقيًا حيث نسبر أغواره ونغوص في أعماقه كما هو، لا كما نريد، وهو المعروف أصوليًا بـ "تحقيق المناط" ومعرفة ما يتعلق به من أمور وقضايا، ونبتعد عن كل ما ألصق به ولا علاقة له به، ومعرفة الواقع تقتضي بداية التجرد من أي آراء سابقة، أو أحكام سابقة حيث لا بد من فهم الواقع كما هو، وتختلف مسألة الآراء والأحكام السابقة عن مسألة المعلومات السابقة التي تلزم لفهم الواقع، والتي هي ركن أساسي ومهم في العملية العقلية.

 


إن مجرد فهمنا للواقع وإدراكنا له لا يكفي لإيجاد الوعي المطلوب بل لا بد لنا من تحديد موقفنا تجاه هذا الواقع، هل نقبل به، ونحافظ عليه، أم نرفضه؟ والمعالجة لا تكون إلا من خلال وجهة النظر التي عند الإنسان كقاعدة فكرية له في الحياة؛ فالقاعدة الفكرية الرأسمالية غير الشيوعية، وغير الإسلامية، فالدول الرأسمالية تنظر من زاوية المصلحة بخلاف القاعدة الفكرية الإسلامية، وهي العقيدة الإسلامية وما انبثق عنها من معالجات وأحكام التي تنظر للأمور من زاوية مبدئية، وليست نفعية مصلحية.

 

الركن الثاني: الوعي الدقيق والعميق لوجهة النظر أي العقيدة، وما بني عليها من أفكار، وما انبثق عنها من أحكام وعيًا عميقًا ودقيقًا، حتى نتمكن من استنباط الحكم الشرعي المعالج لهذا الحكم الواقع، ونتمكن من فهمه فهمًا شرعيًا من خلال عملية الاستنباط والاجتهاد الصحيحة من مصادر التشريع وهي: كتاب الله، وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وما أرشدا إليه، فتحكم وجهة النظر على الواقع، فتحدد لنا موقفنا من الأحداث والوقائع الجارية؛ لأن حقيقة إدراك أي واقع إنما هو من أجل تحديد موقفنا منه بالقبول أو الرفض، ونحن بصفتنا مسلمين ليس لنا وجهة نظر إلا العقيدة الإسلامية، وما انبثق عنها من معالجات وأحكام، فهي القاعدة الأساسية التي نرتكِز عليها في الحكم على الأشياء والأفعال، وهي ما تحدد لنا موقفنا في إطار المفاهيم، والمقاييس، والقناعات التي نحملها، وهذا هو المكون الأساسي والمهم لتمام عملية الوعي. إذ إن إدراكنا للواقع دون تحديد موقفنا منه هو عبث، وليس من شيمة البشر الذين حباهم الله بالعقل.
والوعي بركنيه إنما هو حركة دائمة وعمل دءوب ويقتضي المتابعة والعمق والدراسة؛ لأن الوعي يقوى، ويضعف، وينمو، ووعينا على الواقع يقتضي منا دراسة الواقع والأحداث الجارية، وما يجِدُّ فيها ومتابعتها متابعة فورية دائمة، ومتابعة ما يتغير على الأرض من خطط استراتيجية، أو تغيير في الطريقة أو الأسلوب، وهو وعي ملازم للواقع بأدق تفاصيله دون أي ضبابية فيه، ووعي على وجهة النظر عقيدةً ونظامًا، فكرة وطريقة، وليس وعيًا عامًا أو جزئيًا، وإنما يجب أن يتصف الوعي بالعمق، والإحاطة، والشمول، والكلية، وكل ما له علاقة بها، وما انبثق عنها وما بني عليها، قال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾[يوسف:١٠٨]. وسيكون هناك مقآلات عن الوعي الفكري والوعي السياسي إن شاء الله لتكون الصورة واضحة.


كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير - ولاية الأردن
الأستاذ: حسن حمدان

 

     
13 من محرم 1439
الموافق  2017/10/03م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد