2 من ربيع الاول 1439    الموافق   Nov 21, 2017

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات
الكبر وخطره على الأمة

 

الحمد لله المعز المذل، الحمد لله مالك الملك، الحمد لله ناصر المستضعفين وقاصم الجبابرة والمتكبرين، الحمد لله القائل: ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )) والصلاة والسلام على سيد البشر نبي الرحمة سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

إن أول معصية كانت على وجه الأرض كانت التكبر والكِبر وكانت من قبل إبليس عليه لعائن الله حيث قال تعالى واصفا ماحدث عندما أمره الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) هذه المعصية التي أدت إلى التمرد والكفر لذا كان الكبر والتكبر أمرا خطيرا في نظر الإسلام لإنه يتجاوز مجرد نظرة إعجاب المرء بنفسه وعدم رؤية الآخرين إلى رفض الحق بل والوقوف بوجهه إعجابا منه واعتدادا منه برأيه ونظرته ومكانته فمثله لا يخطئ ولا يقبل المراجعة ولا المحاسبة، لذا جاءه العقاب من الله له مباشرة قال تعالى: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ(77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ (78)) سورة ص وقال في سورة الأعراف (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)) هذا هو حال المتكبرين أيها المسلمون لعنة من الله وطرد من رحمته.

 

إن خطورة التكبر تتجلى في الإعراض عن الحق والعناد والتمسك بالباطل وهذا الأمر كان واضحا وجليا عندما أخبرنا رب العزة عن قارون مع أنه كان من قوم موسى عليه السلام ومع علمه بالحق كحال إبليس إلا أنه كان معتدا بنفسه متكبرا على خلق الله (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) ، فكان رده على من أنكر عليه تكبره وقال كلمة الحق في وجهه (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ... ))، فكانت عاقبته أن أهلكه الله وخسف به الأرض في الدنيا (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ ). إن قصة قارون مثال وعظة لمن يتكبر من البشر ويتعالى على خلق الله لكن قارون كان فردا ولا يتعدى تكبره إلا على من يحيطون به من قومه فتكبر الأفراد خطير لكن خطره على محيطه الذي هو فيه وواجب على من يحيطه نصحه وزجره كما فعل من يخاف الله من قوم موسى عليه السلام في حق قارون لا أن يتمنوا ماهو عليه لمن قصُر تفكيره على الدنيا وزينتها قال تعالى: (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ )) ، هذا جزاء المتكبرين من البشر واما من تواضع لله وعمل بالحق ونصح وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فله جزاء طيب في الدنيا والآخرة قال تعالى (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ).

 

إن الله عزوجل لم يتركنا هكذا بدون نظم وقوانين تعالج ما قد يصيب المرء من اعجاب بنفسه، بل إنه يعلمنا في كتابه الكريم على لسان لقمان وهو يوصي ابنه (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)) سورة لقمان، وحذرنا أيضا في كتابه من سلوك طريق المتكبرين وبغضه لهم (إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَ‌ٰحِدٌ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ ) النحل. وإن من عقوبة الله للمتكبرين الإغلاق على قلب من يتكبر ويتجبر على الناس والحق قال جل في علاه: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ )) الأعراف، هذه المعصية المقيته التي حذر منها الله عباده وحذر منها رسولنا الكريم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقال ذرَّة من كبر! فقال رجل: إنَّ الرَّجل يحبُّ أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة؟ قال: إنَّ اللَه جميل يحبُّ الجمال، الكبر: بطر الحقِّ وغمط النَّاس) رواه مسلم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يكلِّمهم الله يوم القيامة، ولا يزكِّيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذابٌ أليم: شيخ زان، وملك كذَّاب، وعائلٌ مستكبر) رواه مسلم.

 

هذه عقوبة من تكبر من الناس لكن المصيبة هي تكبر من تولى أمور الناس كالحكام فإن خطر تكبرهم يصيب جميع البشر، فهؤلاء خطرهم أكبر، بل يلحق بهم من يطيعهم في أمرهم كحال فرعون وقومه (وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)) سورة يونس، وقال تبارك وتعالى: (وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ )، فكان عقاب الله له ولجنوده في الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر.

 

هذا حال من تولى أمور الناس وتجبر وتكبر وطغى عليهم والأمثلة على الطغاة الهالكين كثيرة منذ خلق الله آدم وإلى يومنا هذا، فأين هم من تكبرهم وأين هم من قصورهم وأين هم من أموالهم وقوتهم، فقوم نوح أهلكهم الله بالطوفان وقوم عاد وثمود بالريح والصيحة، يقول رب العزة: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)) سورة فصلت، وغيرهم من الأقوام السالفة، بل إن الله أخذ من تكبر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإهلكهم على يديه كأبي جهل وأمية بن خلف وغيرهم من صناديد قريش.

 

هذا حال الأقوام السابقة وحال من سلك سبيلهم إلى يوم الدين ونذكركم بطغاة أفسدوا في الأرض وفي زماننا هذا فأذلهم الله بعد أن ملكوا كل سبل القوة والمال والجاه ولكنهم بإعراضهم عن أوامر الله عز وجل وتعطيل شرعه أذلهم الله في الدنيا قبل الآخر فمنهم من هرب ذليلا كزين العابدين حاكم تونس الذي كان يمنع الناس حتى من الصلاة، وحسني مبارك الذي سجن ولو شكلا بعد خدمه أسياده بعد أن كان يعيش في قصور يأمر وينهى، معمر القذافي الذي قتل شر قتله.

 

هذا هو حال المتكبرين وهذه سنة الله في خلقه يعز من تواضع له وعمل بما أمره ويذل من أعرض وتكبر فلا تكونوا كمن تمنى الحياة الدنيا من قوم موسى وقوم فرعون فتهلكوا بل كونوا كأصحاب عيسى وموسى عليهم السلام الذين يقولون كلمة الحق في وجه من طغى وتجبر وكنوا كأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فتفوزوا في الدنيا والآخرة (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ).

 

     
20 من صـفر 1439
الموافق  2017/11/09م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد