26 من ربيع الاول 1439    الموافق   Dec 13, 2017

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات
تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم باتباع هديه وطريقته


تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم يكون باتباع هديه وطريقته قال الله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبـنـاؤكـم وإخــوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحـب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين).[التوبة24].


قال القاضي عياض في شرح الآية: فكفى بهذا حضًا وتـنـبـيـهــًا ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم، إذ قرّع الله من كان ماله وأهله وولده أحـب إليه من الله ورسـوله وتوعدهم بقوله تعالى: (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره)، ثم فسقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله، وقال أيضًا: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إلـيـه من والده وولده».
وعن عبد الله بن هشام قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إليّ من نفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر».


يدرك المسلمون عامة عِظم ومكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد اصطفاه الله نبيًا ورسولًا، وجعله من أولى العزم وقدّمه على الأنبياء والمرسلين، وجعل ما جاء به من شرع ودين -وهو الإسلام- هو الدين عند الله قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ). ولم يرض بأي دين ولا مبدأ غير الإسلام دينًا ومبدأ قال تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). وجعل رب العزة هذا الإسلام العظيم ناسخًا لكل الأديان والرسالات، ومهيمنًا عليها حيث قال: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).


وقال صلى الله عليه وسلم لعمر حين وجد معه صحيفة من التوراة بما روى جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: حين أتاه عمر فقال: إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: «أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي». رواه أحمد والبيهقي في كتاب شعب الإيمان، وهو حديث حسن.
وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم غضب حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة وقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب ألم آت بها بيضاء نقية، لو كان أخي موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي».


أيها المسلمون: إن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلزمنا جميعا بالـذب عــنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته ووجوب تطبيق الدين الذي جاء به وبالكيان السياسي الذي أقامه صلى الله عليه وسلم وهو دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، قال الله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون).


ولقد سطر الصـحـابة رضي الله عنهم أروع المواقف وأعلاها وأصدقها في الدفاع عنه، وكتب السير مليئة بقصصهم وأخبارهم التي تدل على محبته ونصرته، وما أروع ما قاله أنس بن النضر يـوم أحــد لـمـا انكشف المسلمون: «اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك مما صـنــع هؤلاء يعني المشركين»، ثم تقدم فاستقبله سعد، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النـضـر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس بن مالك: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. أيُّ موقف هذا في ظل ما رأينا من تخاذل الحكام المجرمين في كافة القضايا التي تعلقت بالإسلام سواء منها ما تعلق بإعلان الحرب على ما جاء به تحت مسمى محاربة الإرهاب، أو في تكرار الإساءة لرسول الله في رسومات وأفلام ومقالات سواء أكانت من كافرين أو علمانيين حاقدين على الإسلام ونبيه وأهله، فلم تحرك هذه الأنظمة الجيوش كما كان في مواقف دولة الخلافة ولم يقطعوا يدًا، أو لسانًا تطاول على سيد الخلق وأساء للإسلام عقيدةً ونظامًا لبعض الأحكام التي جاء بها بل أدعى بعضهم وصلًا ونسبًا به مع حربهم عليه شرعه ودينه ولو كانت المسبة في حق أحدهم لقامت الدنيا ولم تقعد، ولتحركت الجيوش والأقلام، وقطعت العلاقات لكنه رسول الله وحبيبه لن يدافع عنه إلا من أحبه قولًا وعملًا، ولن تكون هذه المحبة ممن ارتضاه الغرب حاكمًا وعميلًا أو أفلامًا مأجورة، تسبح بحمد الغرب وحضارته حضارة الشذوذ ومحبته وتعظيم شانه تقتضي منا اتباع شرعه، ولزوم هديه وإلا كانت محبتنا كذبًا، بل إن الله جعل محبة الخلق له بوجوب اتباع نبيه صلوات الله وسلامه عليه قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله). وجعل الله التأسي به واجبا حيث، قال الله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا).


قال ابن كثير: هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فـي أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر الله تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى عليه وسلم وجعل الله الاحتكام إليه فرضًا قال الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فـيـمــا شـجـــر بـيـنـهـم ثــم لا يجــــدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا). وقد بين الله سبحانه وتعالى أن ترك التحاكم إليه، والإعراض عن الشرع الذي جاء به إلى غيره من قوانين وضعيه ودساتير بشرية هو النفاق بعينه والكفر به قال الله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمـنــوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا بعيدًا، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودًا).
فأي محبة له؟ ولا نقول: إنهم تركوا شرعه فحسب، بل حاربوا حملة الدعوة إليه قتلًا، وسجنًا، ومطاردة، وتركوا لكل قلم حاقد ولسان كفور أن يتعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكامه ودينه فأي دعوة تلك وأي محبة هذه!


أيها المسلمون: إن ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون بالاحتفالات ولا بالعطل، وإنما تكون كما أراد الله تعالى حاكمًا في كل أمور حياتنا، وما أجمل ما ورد في السيرة عن شدة متابعة الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالحياة لا تكون إلا كما جاء به والموت لا يكون إلا بما مات عليه قال ابن إسحاق رحمه الله: "وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدي ابن النجار قال: انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجُلسكم؟ قالوا: قُتِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قُتل والحمد لله رب العالمين.

 

     
04 من ربيع الاول 1439
الموافق  2017/11/23م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد