11 من محرم 1440    الموافق   Sep 21, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

الاحسان في المعاملة تقوده الدولة أولاً

بالاحسان لرعاياها وأبناء أمتها

 

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد،

فقد نشرت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة للخامس عشر من شوال لعام 1439 هجرية الموافق للتاسع والعشرين من شهر حزيران لعام 2018 ميلادية وعنوانها " الإحسان في المعاملة " ولنا مع هذه الخطبة وقفات...

تحدثت الكلمة الموحدة عن وجوب الإحسان في المعاملة  مع المسلمين وغيرهم، ونوهت إلى الإحسان أيضا إلى النبات والجماد والحيوان، وقد ذكرت أن الإحسان من العوامل التي تدفع إلى تماسك المجتمع ورص بنيانه، لكن الخطبة الموحدة لم تأت على واجب الدولة في الإحسان مع المسلمين وإنما تحدثت عن الأفراد أن يحسنوا إلى بعضهم بعضاً، هذا وإن كان واجبا ولكنه لا يغني عن أعمال الدولة في الإحسان إلى رعاياها، فالإسلام نظم المجتمع علاقات الفرد والدولة على حد سواء وتنظيم الإحسان من هذا التنظيم.

 

الإحسان كما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف عندما جاءه جبريل عيه السلام يسأله: ( ما الإحسان قال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ويفهم من حديثه صلى الله عليه وسلم أن الإحسان يتطلب من المؤمن رقابة ذاتية على أفعاله وأقواله وسكناته ومعاملاته مع الناس جميعا، فالإحسان في المقام الأول هو استشعار رقابة الله عز وجل، وعبادة له سبحانه مؤمنين بوجوده كأننا نراه سبحانه وهكذا يسير المؤمن في جو إيماني مستمر الصلة بربه عز وجل.

 

والإحسان واجب على المسلمين تجاه بعضهم بعضا أفرادا وجماعات ودولة لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فالإحسان من أوجب الواجبات على الدولة  مع  إخواننا في الشام و أهل درعا حاليا الذين يعانون من شدة القصف، ويتبجح النظام وأزلامه، و يتذرع بإحجام المجتمع الدولي عن تقديم المساعدات فيغلق الحدود في وجه أهلنا وإخواننا الذين بلغ عددهم نحو 450 الف على الحدود، يقبعون تحت لهيب الشمس ونار القصف في العراء، هذا النظام الذي يحول حتى بين الامة وواجبها من القيام بواجب نصرة إخوانهم وجيرانهم والاحسان إليهم، وهم يتوقون ويقدرون على ذلك ولا ينتظرون من أعداء الامة معونة لنصرة أهلهم عبر حدود سايكس بيكو، وكأن هذه الأمة ليست أمة واحدة! فإن لم يكن هذا الاحسان بل ذروته فما هو الاحسان الذي تتحدثون عنه؟!!!

 

قال تعالى: (وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)، وفي الحديث عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّىّ)رواه مسلم. وفي الحديث أيضا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ عِرْضُهُ إِلَّا خَذَلَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَتُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ إِلَّا نَصَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ).

 

هل أصبحت حدود سايكس بيكوالإجرامية محلا للتحاكم بدل أخوة العقيدة ؟

من لهؤلاء المسلمين من محسن يخاف الله فيهم ويؤويهم؟

أليس المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ؟

أليس من الواجب الإحسان تجاه هؤلاء المسلمين إيوائهم ونصرتهم استجابة لأمر الله وحكمه؟


الإحسان ليس خلقا يتصف به الفرد فحسب بل هو واجب على المجتمع والفرد والدولة، فالدولة إحسانها تجاه رعاياها يتمثل في تطبيق شريعة الله عليهم، ومعالجة مشكلاتهم وفق أحكام الله عز وجل، لا بالتضييق عليهم بتطبيق منظومة الغرب الكافر المستعمر المنظومة الرأسمالية التي أشقت العباد وأفسدت البلاد، فأهلكت الحرث والنسل، فأين الإحسان إن لم يكن هو ذاك؟ أين حكام الضرار حكام البلاد الإسلامية من الإحسان وهم يحاربون دين الله ويمنعون تطبيقه ويحاربون من يعمل لتطبيقه بالسجن والتعذيب والتنكيل والإقامات الجبرية ؟!يحاربون المحسنيين قولا فالله عز وجل يقول: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).

 

ألا يجب الإحسان على المسلمين في الأردن بتطبيق منظومة الإسلام التشريعية فيهم لحل مشكلاتهم وتخليصهم من هيمنة الغرب بدلا من تطبيق منظومة الغرب الكافر الرأسمالية ووصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي رهنت ثروات البلاد للكافر المستعمر، وسرقت جيوب المسلمين لتعطيها ربا للبنوك الرأسمالية المجرمة التي أفقرت البلاد وأذلت العباد في نظام رأسمالي مجرم.

 

ألا يجب الإحسان من الدولة نحو الشباب في الأردن الذين تجاوزت فيهم نسبة البطالة 18 % بالمئة وارتفعت بينهم معدلات العنوسة وتأخر في سن الزواج ؟

 

أما الإحسان لغير المسلمين فله أحكام تضبطه فلكل فعل يقوم به الإنسان حكم شرعي ينظمه، والإحسان لغير المسلمين يكون بإحسان دعوتهم إلى الإسلام، وإحسان تطبيق الإسلام في دولة خلافة على منهاج النبوة تحث غير المسلمين على الدخول في الإسلام حينما يرون الإسلام نموذجا حيا مطبقا في كل نواحي الحياة من الاجتماع والاقتصاد والسياسة والمعاملات، فالإسلام يعالج مشاكل الإنسان بوصفه إنسانا بعدل أحكام الأسلام ونظرته الشاملة العادلة للفرد والمجتمع والدولة، فالإحسان لغير المسلمين الغارقين في ظلمات التيه بالعبودية لغير الله عز وجل يكون بإعادة دولة الخلافة التي تفتح الأمصار وتنشر الإسلام نور عدل وهداية يخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن شقاء الرأسمالية المجرمة إلى عدل الإسلام.

 

قال تعالى: (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)

هنا في النص القرآني لا ينهى الله عز وجل عن مبرة غير المسلمين والتواصل معهم ووصف من يفعل ذلك بالمقسطين... أي أهل البر والتواصل ولكن هنالك شروط محددة لغير المسلمين الذين لم ينهانا الله عن برهم أولها: ألا يكون بيننا وبين هؤلاء القوم حربا وعداوة في الدين الإسلامي وبذلك تدخل كل دول الغرب الكافر المستعمر واليهود الذين يحاربون الإسلام والمسلمين ويقتلونهم ضمن هذه الفئة، وثانيها: من أخرج المسلمين من ديارهم بقول أو فعل هو ممن يحرم برهم والتواصل معهم وهم من غير المحاربين بل الذين أخرجوا المسلمين من ديارهم وثالثها: من ساعد ودعم وناصر على إخراج المسلمين من ديارهم هو ممن يحرم برهم والتواصل معهم أيضا.وتختم الآية بتقرير حقيقة أن من يوالي هؤلاء المجرمين الكافرين هو منهم وهو من الظالمين، فهل ينتظر من حكام الضرار حكام البلاد الإسلامية الذين والوا الكفار على المسلمين إحسانا للمسلمين؟!

 

هيهات هيهات فحكام الضرار هؤلاء لا يحسنون إلا حرب الإسلام والمسلمين ودعاة الإٍسلام وتطبيقه، ودعاة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ولا يحسنون فعلا ولا عملا إلا موالاة الغرب الكافر المستعمر، ولا يحسنون بل لا يطبقون أحكام الإسلام على المسلمين، ولن تجد الأمة الإسلامية من نظام يعزها ويحسن إليها إلا نظام ربها النظام المنبثق من شريعتها نظام دولة الخلافة على منهاج النبوة.

 

(إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا).

 

 

المكتب الاعلامي لحزب التحرير

في ولاية الاردن

 

 

 

     
14 من شوال 1439
الموافق  2018/06/28م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد