5 من ربيع الثاني 1440    الموافق   Dec 13, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




الهجرة دولة كانت ... ودولة يجب أن تعود

كانت الهجرة بداية التاريخ لأعظم حدث في تاريخ الأمة الإسلامية وهو إقامة الدولة الإسلامية، الكيان التفيذي الذي مكن من تطبيق أحكام الإسلام وحمل الدعوة الإسلامية للعالم، فتبوأت دون منازع مركز الدولة الأولى في العالم في بضعة عقود من الزمن.

 

كانت الدولة الأولى الدولة التي حكمها النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام والوحي ينزل، فكانت بحق الدولة التي ارتضاها الله سبحانه وتعالى للناس حتى تكون نموذجا يتبع إلى يوم الدين، في الحكم والإدارة، في الاقتصاد والبيع، في الحرب والسلم والعلاقات الخارجية، في التعليم والرعاية الصحية، في العقوبات وإقامة الحدود، في النظام الاجتماعي وتسيير أمور الدولة داخليا وخارجيا، التي طبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحكمة القائد المسؤول عن رعيته، والمسؤول عن تبليغ رسالة الإسلام بالدعوة والجهاد.

 

وانطلقت هذه الدولة على منهاج النبوة كما أقام أركانها وأجهزتها الخلفاء الراشدون من بعده، وكما فهمها جماعة الصحابة الذين عاشوا في كنف الدولة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والذين طبقوا أحكام الإسلام فيها كما طبقها عليه الصلاة والسلام، بالقول والعمل والتقرير، الذي وصلنا من فهمهم رضوان الله عليهم عندما أصبحوا حكاماً.

 

لقد كانت الخلافة ما شاء الله أن تكون على منهاج النبوة، وكانت دولة بشرية تخللها فترات من الضعف وسوء التطبيق، فلم تكن دولة ثيوقراطية، ولم تكن دولة مدنية ولا عسكرية، ومن المؤكد أنها لم تكن دولة ديمقراطية، بل كانت دولة خلافة بشرية ورئاسة عامة لكل المسلمين في الأرض دستورها الإسلام وتشريعها الكتاب والسنة، وأساس الدولة العقيدة الإسلامية وأحكامها أحكاما شرعية منبثقة عن العقيدة، يحكمها خليفة ينوب عن الأمة في سلطانها، وتبايعه على الحكم بالكتاب والسنة، وتحاسبه إن حاد وأساء التطبيق.

 

وشاء الله أن تستمر هذه الدولة التي كانت الهجرة من أجلها، حتى تآمر أعداؤها عليها عقودا من الزمن، إلى أن ألغى وجودها، المجرم مصطفى كمال عام 1924، بالتعاون مع دول الغرب المستعمرة الكافرة، الذين قاموا بتفتيت الدولة الإسلامية الى دويلات وطنية قومية قطرية ووضعوا لها حدودا وأعلاما، وصنعوا لهم تاريخاً مزيفاً منعزلا عن تاريخ دولتهم الإسلامية، ونصَّبوا عليها عملاء يأتمرون بأمرهم، ويحرسون الحدود بينهم، بل وديدنهم والشقاق والحروب فيما بين المسلمين، وتحقيق مصالح أعدائهم، حتى أضحى قتل مئات الالاف من المسلمين ونهب ثرواتهم، وتدمير بلادهم بأيدي هؤلاء النواطير عن طريق تسخير جيوش المسلمين بالعمل لتحقيق أهداف المستعمرين الكفار سياسياً وعسكرياً وإقتصادياً.

 

إن المشهد المؤلم اليوم للمسلمين في إدلب كواحد من المشاهد المؤلمة التي يعاني منها المسلمون في أصقاع الارض، والتي تطل عليه ذكرى الهجرة التي تغيب عنها دولتها، حيث تم التآمر على أهل الشام من قبل حكام أهل الارض قاطبة، الغرب المستعمر الكافر وعلى رأسه أمريكا المجرمة الارهابية، وروسيا الحاقدة والأتباع والأشياع من حكام المسلمين المجاورين وغير المجاورين للشام وأهله، بل وما يسمى بالمجتمع الدولي وهيئة الأمم التي تذرف دموع التماسيح محذرة من كارثة إنسانية لم يشهدها القرن ودول العالم قاطبة تتفرج على ذبح المسلمين، وذلك عندما دعموا طاغية الشام بعد أن كاد يسقط، وأفسدوا قادة الفصائل المسلحة بالمال السياسي والاقتتال الداخلي، حتى أعلن المجرم لافروف عن المغزى والهدف الحقيقي من وراء وقوف روسيا في دعم العصابة الأسدية عندما غرد قبل أيام قليلة قائلا: " لولا دعم روسيا لنظام الأسد لأصبحت دمشق الأن عاصمة الخلافة".

 

أيها المسلمون:

لماذا يعلم أعداؤنا سبب حربهم لنا ويعلنونها صراحة وبوقاحة، أنهم يحاربوننا للحيلولة دون إقامة وعودة دولة الخلافة، وهم يعلمون أن هناك من يعمل مخلصاً لعودتها، لماذا يعلمون ولا نعلم نحن؟ لماذا يتخذون من حكامنا عملاء يخدمون مصالحهم ويروجون للحرب على الإسلام فكرياً وعقائدياً وأمنياً تحت مسمى الإرهاب، ولا ندرك نحن ذلك؟ لماذا لا نتخذ موقفاً مشرفاً يرضي الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين فنعمل من أجل عودة دولة الخلافة التي من أجلها يحاربنا المستعمرون الكفار، ويدمرون البلاد والعباد، ويعتقل أذنابهم الحكام ويحاكمون ويسجنون الأتقياء الأنقياء العاملين المخلصين من أجل عودة الخلافة على منهاج النبوة؟

 

إن إحياء ذكرى الهجرة لايكون له معنى إلا بالعمل من أجل عودة الدولة التي كانت من أجلها الهجرة، خلافة راشدة على منهاج النبوة، تعيد العزة والكرامة للمسلمين الذين لا بواكي لهم، وتوحدهم في دولة واحدة تنصر المسلمين المحاصرين في إدلب، وكل العالم، وتقضي على يهود والحكام الذين يمدونهم بأسباب القوة والبقاء، وتطهر البلاد من كل جندي مستعمر كافر، دولة يوحدهم فيه خليفتهم ويتقى به ومن ورائه يقاتل.

 

{ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }


د. عبدالله شاكر
كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير/ ولاية الأردن


     
01 من محرم 1440
الموافق  2018/09/11م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد