5 من ربيع الثاني 1440    الموافق   Dec 13, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

العقيدة الاسلامية المبنية على العقل خير وقاية من أمراض القلوب

 

لقد حددت وزارة الأوقاف في الأردن موضوع الخطبة الموحدة ليوم الجمعة بتاريخ 2018/9/28 الموافق 17محرم 1440 هجرية بعنوان القلب وخطورة أمراضه، وسنقف عند بعض النقاط تحت هذا العنوان وبالله التوفيق:-

 

قال تعالى (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألَا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلَحت صلَح الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

 

مما لا شك فيه أن القلب يعتريه الكثير من الأمراض والآفات والعلل من شرك وكِبر وحسدٍ وغل ونفاق ورياء وارتكاب للحرام وترك للفروض والتساهل في أدائها، وكلما ضعف الاهتمام بسلامة القلب، كان مرتعاً لكثير من الأمراض ومكاناً خصباً لنمو الآفات والمعاصي، لذا لم يترك الإسلام القلب بلا حفظ ولا سياج، فقد جعل الله للقلوب مرجعاً، وهو العقل من خلال العقيدة الإسلامية لأن القلوب والمشاعر والوجدان عرضة للخلل والمرض والزلل ولا بد لها من قاعدة  وبراهين معينة تضبط هذه القلوب كي لا تَزل، وهي عند المسلمين العقيدة الإسلامية، وذلك أن تعطى العقيدة للإنسان بطريقة بحث عقلية تستند إلى البديهيات والتفكير فيما يقع عليه الحس أي الكون والانسان والحياة، التي لا يختلف عليها عاقلان حتى يقتنع عقله ويمتليء قلبه طمأنينة، وبقدر ما تكون هذه الثوابت راسخة، تكون العقيدة كذلك. وحينذاك، يكون لدى الإنسان الفكر الأساس الذي يستطيع أن يبني أفكاره الأساسية عليه، وبالتالي يستمد منه النظم التي تعالج حياته وتنظم سلوكه وسلوك من يعيش معه على هذه الأرض.


فمن خلال هذه العقيدة وعلى أساسها تتكون المفاهيم لدى الإنسان، وقد تكون هذه المفاهيم صحيحة فتنتج سلوكاً صحيحاً، وقد تكون كذلك خاطئة فتنتج سلوكاً خاطئاً، والحقيقة أن المفاهيم التي يكوّنها الإنسان وبالتالي سلوكه، تكون صحيحة بقدر ما تكون العقيدة التي كوّن هذا الإنسان مفاهيمه على أساسها صحيحة، وتكون خاطئة كذلك أيضاً، وإنما نعرف صحة السلوك أو المفاهيم من مدى صحة الفكر الكلّي الذي قامت على أساسه هذه المفاهيم وهي العقيدة.

 

فالله فرض على المسلمين التفكر والتدبر في آيات الكون فقال تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} جاء في (تفسير القرطبي): "ختم تعالى هذه السّورة بالأمر بالنّظر والاستدراك في آياته، إذ لا تصدر إلا عن حيّ قيّوم وقدّوس سلام غني عن العالمين، حتى يكون إيمانهم مستنداً إلى اليقين لا إلى التقليد. {لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ}، الذين يستعملون عقولهم في تأمّل الدلائل. وروي عن عائشة أنها قالت: لما نزلت هذه الآية على النبي، قام يصلّي، فأتاه بلال يؤذِنُه بالصّلاة، فرآه يبكي، فقال: يا رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟! فقال(صلى الله عليه وسلم): "يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً ـ ولقد أنزل الله عليَّ اللّيلة آية: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ} ـ ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها".{الجامع لأحكام القرآن}، يُخطئ المرء لو ظن أن التفكُّر والتدبُّر هما حِكرٌ على طبقة معينة من الناس يدعون لأنفسهم أو يشهد الناس لهم بالفكر والمعرفة، لا.. فإن من عظمة كتاب الله أن الإنسان البسيط والعالم الكبير، كلاهما، يستطيعان استخراج لآلئ المعرفة والفكر منه والتدبر فيها.

 

فالواجب على المسلمين جميعا أن يشغلوا انفسهم بهذه العبادة الجليلة في حدودها ومجالاتها المنظبطة، ويتعاهدوها في جميع الأحوال؛ وذلك أن التفكير السليم يوصل صاحبه إلى الخير في الدنيا والآخرة ويوصل إلى اليقين في الإيمان بالله وأنه الواحد خالق الوجود كله {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} وفي قوله تعالى -: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وتذكروا أيضاً في هذه الآية، وما فيها من تجانس وتماثل وعبرة: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وتذكروا في هذا المشهد البديع، والإعجاز الفريد: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْـجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ 68ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَلذا حرم الله التقليد في العقيدة ونعى على الجاهلية تقليد الآباء والأجداد وتعطيل عبادة التفكير قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) وقال تعالى {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ) فاذا بنى الإنسان عقيدته على اليقين وهذا فرض فإنها ستكون له بمثابة القاعدة الاساسية  المتينة  في الحكم على الأفعال والأشياء وستكون بذلك عقليته عقلية إسلامية فلا يفكر إلا على اساس الإسلام ولا يميل قلبه وهواه إلا لما يحبه الله ورسوله فتكون نفسيته نفسية إسلامية للحديث ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) فيعالج بعقيدته أفعال القلوب والجوارح.

 

وقال أحمد بن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحِكم الصفحة71: "إن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للمحرمات واتقاءه الشبهات بحسب صلاح قلبه وحركة قلبه، فإن كان قلبه سليماً ليس فيه إلا محبّة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه صلحت حركات الجوارح كلها. وإن كان القلب فاسداً قد استولى عليه اتباع الهوى وطلب ما يحبه ولو كرهه الله فسدت حركات الجوارح كلها وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب".


وقال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام: الجزء 2/الصفحة 179: "وليست الحقيقة خارجة عن الشريعة بل الشريعة  طافحة  بإصلاح القلوب  بالمعارف والأحوال والعزوم والنيات وغير ذلك مما ذكرناه من أعمال القلوب، فمعرفة أحكام الظواهر معرفة لِجِلِّ الشرع، ومعرفة أحكام البواطن معرفة لِدِقِّ الشريعة، ولا ينكر شيئاً منها إلا كافر أو فاجر".


فالعقيدة الإسلامية وحدها التي تعالج القلوب والجوارح،  وهي  التي تجعل للقلوب درعاً حصيناً لا يدخله شك ولا نفاق ولا رياء ولا غل ولا حقد، وتجعل المسلم  يقدم على الفروض والنوافل ويبتعد عن الحرام، بل وما كان مكروهاً ويترك من المباح سبعين بابا خشية أن يقع في مكروه فضلا عن الحرام، وهذا ما كان عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين والسلف الصالح.

 

والحمد لله رب العالمين.

 

 

     
17 من محرم 1440
الموافق  2018/09/27م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد