18 من شـعبان 1440    الموافق   Apr 23, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات
الشباب هم رواد التغيير الجذري وسر نهضة الأمة الإسلامية

 

قررت وزارة الأوقاف في الأردن خطبة الجمعة الموحدة بعنوان (الشباب عماد الأمة وسرُّ نهضتها) لتاريخ 22 رجب 1440هـ الموافق 29/3/2019م

 

مما لا شك فيه أهمية دور الشباب في الدعوات التي تدعو للتغيير الجذري وإحداث النهضة في الامة، يقول الله -تعالى- في كتابه الكريم: في قصة أصحاب الكهف (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)، وكان عليه الصلاة والسلام في أول أمره يدعو من آنس فيه الإستعداد لقبول هذه الدعوة بغض النظر عن سنه ومكانته، وبغض النظر عن جنسه وأصله، ولم يكن يختار النّاس الذين يدعوهم إلى الإسلام اختياراً، بل كان يدعو جميع النّاس، ويتحرى إستعدادهم للقبول، وقد أسلم كثيرون. وكان يحرص على أن يثقف جميع الذين يعتنقون الإسلام بأحكام الدين ويحفظهم القرآن، فتكتل هؤلاء وحملوا هم الدعوة، (وقد بلغ عددهم منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم حتى أمر بـإظهار أمره نيفاً وأربعين شخصاً) ما بين رجل وامرأة من مختلف البيئات والأعمار، أكثرهم من صغار الشباب، وكان فيهم الضعيف والقوي والغني والفقير.

 

فالشباب رجالا ونساء هم الأقدر على حمل الدعوة وتحمل أعبائها وهم عدة الأمة وقوتها في الجهاد والعمل للتغيير وهم أمل الأمة في حمل الدعوة وتحمل مشقاتها والصعوبات الجسام و هم الأقدر على التضحيات والحركة والمتابعة والنشاط فها هو بلال بن رباح - رضي الله عنه - المؤمن الصابر قد تلقَّى في سبيل الله ألوانًا من العذاب وأصنافًا من البلاء، فكلما اشتدَّت عليه وطْأَة الألَم، ووُضِعَت على بطنه الحجارة الثقيلة في وَهَج الظهيرة المُحرق، ازدادَ إيمانًا، وهتَف من الأعماق: أحدٌ أحدٌ، فردٌ صمدٌ.


وهذا مصعب بن عُمير رضي الله عنه - أسلَم من الأوَّلين الأوائل في دار الأرْقم بن أبي الأرقم، وكتَم إسلامه خوفًا من أُمِّه وقومه، ولَمَّا كشَفوا أمره أخَذوه، فحَبَسوه وعذَّبوه، فلم يَزَل محبوسًا معذَّبًا، حتى خرَج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى، ثم رجَع مع المسلمين حين رجعوا.


أما نهضة هذه الأمة فهي لا تتعلق بالأشخاص وإنما تتعلق بمبدأها الذي تحمله لأن النهضة لا تكون إلا بمبدأ أي عقيدة ينبثق عنها نظام من جنس العقيدة، والنهضة الصحيحة لا تكون إلا إذا كان هذا المبدأ صحيحا، ولا يوجد على الأرض من مبدأ صحيح إلا الإسلام لأنه من عند الله الخالق المدبر، (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)

 

إن قلوب شبابنا عند الصغر تكون نقية، غير معبوث بها، ومثل الجواهر الثمينة، فإذا انغمسوا في الدين بالطريقة الصحيحة، ورُبوا على الحق والخير والدين ، فسوف ينشأون إن شاء الله شبابا قلوبهم ثابتة على الحق، واثقين في عقيدتهم الإسلامية، راسخين في الامتثال بواجباتهم الإسلامية، متحلّين بالشجاعة في الدفاع عن دينهم وضد الباطل والظلم، محبين للبر، نافرين من كل ما يصفه ربهم سبحانه وتعالى بأنه فاسد، أو ظالم، أو غير عادل. وسوف يكونون مصدر خير لأسرهم ومجتمعاتهم، ولهذه الأمة، بل سيكونون من أولئك الذين تتجسد فيهم الصفات لإحداث تغيير جذري في هذا العالم، متحملين المسؤولية ومتسلحين بالحلول الإسلامية السليمة للإرتقاء بهذه الأمة فكراً وسلوكاً ومبادرة، بل بهذا العالم من المشاكل التي لا حصر لها والقمع الذي يواجهه اليوم.

 

فكان بناء العقيدة والمحفاظة على الهوية الإسلامية في شبابنا وإعدادهم للتعامل مع التحديات الكبيرة التي تواجههم في تمسكهم بدينهم، ودفاعهم عن تطبيق الشرع، والكفاح من أجل دينهم، والمفاهيم الاساسية من أهم الاعمال التي يجب ان تغرس وتبنى في شبابنا من أجل تمكينهم من التغلب على التحديات التي يواجهونها بشكل فعال وخصوصاً في ظل غياب دولة الخلافة التي تقوم ببناء العقلية والنفسية الإسلامية لخلق شخصيات إسلامية فذه تعمل عمل الصحابة في إحداث التغيير الانقلابي الشامل الذي يعيد للمسلمين كيانهم السياسي الذي نعيش ذكرى إلغائه في 28 رجب 1342هـ، ويعدهم ليكونوا قادة في معترك السياسة والجهاد وحمل الدعوة.

 

ومن الجدير أن تكون تنشئة الشباب على الشجاعة والدفاع عن الإسلام وليس ما يشاع من خشية التحدث عن الأمور التي تهم قضايا المسلمين و عن أحوال الأمة في فلسطين وسوريا وفي جميع أنحاء العالم، أو ضد الإعتداء على نبينا الحبيب ﷺ وديننا الحنيف وعلى المسلمين في بلاد الغرب كحادثة الإعتداء على المصلين في المسجدين في نيوزلاندا، أو ضد الحروب الغربية والطغيان في العالم الإسلامي، أو الدعوة لتطبيق الشريعة ونظام الحكم في الاسلام؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، خوفا من نظرة التطرف التي يوصمون بها زوراً وبهتاناً.

إن القناعة في العقيدة والتوق إلى الجنة هي التي دفعت الغلام الضعيف راعي الغنم، الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، بأن يجهر بالقرآن الكريم أمام قريش، مع علمه بأنه سيضرب على أيديهم، وهي التي قادت الشاب جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للتحدث نيابة عن المسلمين في بلاط ملك الحبشة، ولم يردعه وجود أفصح الرجال لسانا من الذين أرسلتهم قريش للتحدث ضد المؤمنين. وهي كذلك أخوتي، التي سوف تغرس إن شاء الله في شبابنا الشجاعة للتمسك في معتقداتهم الدينية مهما كلفهم، والوقوف في وجه ضغط الأقران، لا يخشون من أن يتم وسمهم، أو أن يكونوا مختلفين عن أصدقائهم، أو حتى يتم نبذهم بسبب ممارساتهم وآرائهم الإسلامية، وسوف تغرس فيهم الدفاع عن الإسلام كلما تعرض لهجوم.

 

أيها المسلمون: في عالم اليوم حيث يتم تصوير الإسلام على أنه متخلف، ورجعي، ويقمع النساء والأديان الأخرى، وأنه منتج تاريخي لا علاقة له بالحياة العصرية، فإنه من المهم للغاية أن نبني في شبابنا الثقة بدينهم والنظرة إليه على أنه ذو صلة بحياتهم وفي أي عصر كانوا يعيشون، بدلا من مجرد كونه مجموعة من الطقوس والأحكام. والسبيل الوحيد لتحقيق هذا هو جعلهم يفهمون الإسلام على أنه دين شامل يحوي قواعد وقوانين وحلول لمشاكل العصر الحديث في كل ميدان من ميادين الحياة؛ الروحية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والقضائية والتعليمية، وفي الاقتصاد، وغيرها، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾.

 

إن دور الشباب لكي يكونوا "رواد التغيير الجذري"، ممكنين بالإسلام، من شأنه أن يسخر العاطفة والطاقة الهائلة الكامنة في شبابنا لكي يحدثوا فرقا حقيقيا في هذا العالم، ولكن بطريقة ينالون بها رضا ربهم ويمنحهم الثواب العظيم في الآخرة. ومن خلال تنشئة شبابنا للارتفاع إلى مستوى هذا التحدي الكبير الذي أيضا سوف يسهل، إن شاء الله، والعودة السريعة لدولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، والتي هي القيادة التي ستكون بمثابة الحارس الحقيقي للهوية الإسلامية لأطفالنا؛ الدولة التي سوف تغمرهم بالقيم الإسلامية النبيلة وتُوجِد بيئة تذكرهم باستمرار بمسؤوليتهم تجاه الله وأهمية العمل للآخرة. الدولة التي ستقوم وسائل الإعلام والنظام التعليمي فيها بتشجيع الأفكار والأعمال الصالحة، وتغذية التقوى في شبابنا وحبهم لدينهم. إنها سوف تصنع بأعداد كبيرة شبابا ذوي شخصيات إسلامية مميزة، مثالا للسلوك النبيل، وعباد لله مخلصين، يحملون أعباء الأمة، ومعارضين أقوياء للظلم، وتتجسد فيهم خصائص قادة البشرية.


﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.


 

     
22 من رجب 1440
الموافق  2019/03/28م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد