18 من شـعبان 1440    الموافق   Apr 23, 2019

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات: ذكرى الإسراء والمعراج مرتبطة بالعمل وبعقيدة الأمة وليست ذكرى روحانية للاحتفال

حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة هذه الجمعة 5/4/2019 الموحد تحت عنوان: (رحلة الإسراء والمعراج وثمراتها الإيمانية) ولنا معها وقفات:


أولا: قال تعالى : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، في الوقت الذي اشتد فيه أذى المشركين من قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، توفي عمه أبو طالب ناصره وحاميه من أذاهم واضطهادهم له، ثم ما لبثت زوجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها أن التحقت به فيما عرف بعد ذلك بعام الحزن، فتوجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يدعوهم إلى الإسلام ونصرته ليبلغ صلوات ربي وسلامه عليه عن ربه، فما كان من أهل الطائف إلا أن خذلوه وتجاوزوا في غيهم وطغيانهم أن أغروا به الصبيان والعبيد ليدموا قدميه الشريفتين، في تلك المحنة الشديدة جاءت حادثة الإسراء والمعراج نصرة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتثبيتا من الله عز وجل لعبده، ليعود إلى قريش يخبرهم بمسراه ومعراجه، (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا) فالإسراء في حد ذاته آية وقد صاحبتها آيات من العجائب التي أخبر بها الناس، وعروجه إلى السماء ووصفه الأنبياء واحداً واحداً فيما صح من الأحاديث، وكما هي سنة المكذبين لدعوة الله استهزؤوا به وسخروا منه ، وذهب النّاس إلى أبي بكر، فقالوا له: " يا أبا بكر إنّ صاحبك محمّد يزعم أنّه قد جاء من بيت المقدس وصلّى فيه ورجع إلى مكّة في ليلة واحدة "، فقال أبو بكر: " والله لئن كان قال هذا الكلام لقد صدق، فما العجب من ذلك! فوالله إنّه ليخبرني أنّ الخبر يأتيه من الله من السّماء إلى الأرض في ساعةٍ من ليلٍ أو نهار فأصدّقه، فهذا أبعد ممّا تعجبون منه ".


ثانيا: لقد رُبط فرض الركن الثاني من أركان الإسلام بالإسراء والمعراج، ففرضت الصلاة وفرضت خمس مرات في اليوم حتى تبقى هذه الفرضية مرتبطة بعقيدة الأمة، وكانت قبلتهم الأولى بيت المقدس حتى جاء أمر الله بتحويل قبلة المسلمين تجاه الكعبة المشرفة، فبقي ارتباط هذه الصلاة بحادثة الإسراء والمعراج كي يبقى المسلمون يتذكرون في صلواتهم مكانة المسجد الأقصى وفضله وفضل الصلاة فيه.


ثالثا: لا بد من وقفة نستعرض فيها ما آل إليه حال المسجد الأقصى وما حوله من إحاطة اليهود بمستوطناتهم له، ومن تدنيسه بمحاولات احتلاله، ومن الحفر تحته من أجل هدمه تمهيداً لإعادة بناء هيكل سليمان عليه السلام على أنقاضه. هذا بعض من حال بيت المقدس التي فتحها الفاروق وحررها صلاح الدين، وبقيت بعد ذلك تحت سيطرة المسلمين حتى جاء العثمانيين وحافظوا عليها مدة ستة قرون حتى سنة 1924 ميلادية أي حتى زالت الخلافة العثمانية والتي نحن في ذكرى إلغائها 28 من رجب، وقد حاول اليهود الصهاينة عن طريق الغرب الصليبي أخذ جزء من أرضها بواسطة إغراءات المال للسلطان عبد الحميد الثاني إلا أن السلطان ردهم خائبين وخاسرين وقال لهم: مقالة مشهورة ما زالت الأجيال تردّدها حتى يومنا هذا: "... إن فلسطين ليست ملك آبائي ولا أجدادي حتى أتنازل عن جزء فيها لكم، إنها ملك المسلمين جميعا، وإن عمل المبضع في جسدي أهون علي من إقتطاع جزء منها لليهود، وفّروا عليكم ذهبكم فإذا ضاعت الخلافة في يوم من الأيام فستأخذون فلسطين بلا ثمن!!... فمن يطهرها من رجس اليهود اليوم!!


نستذكر حادثة الإسراء والمعراج ونحن اليوم نرى ما يتعرض له المسجد الأقصى الجريح وعموم بلاد المسلمين من خذلان وتآمر من حكام المسلمين على هذه الامة وعقيدتها وشريعتها ومقدساتها وتاريخها، فيما تسمى بصفقة القرن برعاية الولايات المتحدة زعيمة الكفر والاستعمار، ناهيكم بالطبع عن إتفاقيات الخزي والعار، إتفاقيات ما يسمى السلام الباطلة شرعا مع كيان يهود المحتل لأرض المسلمين وأي أرض هي! الأرض المباركة بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وما تطبيع دويلات سايكس وبيكو مع الكيان المحتل في شتى المجالات العسكرية والأمنية والتجارية عنكم ببعيد.


أيها المسلمون:
إنكم على يقينٍ كذلك لا يخالطه شكٌ، بأنَّ فلسطينَ لا يحررها إلا جُيوشُ المسلمين التي عطَّلَها وكَبَّلَها حُكام المسلمين عن القيامِ بواجِبها الشرعي تجاه القدسِ والأقصى وكلِّ فلسطين، وبأن فلسطينَ لا يُحَرِرُها من يُقصي أحكامَ الإسلامِ عن واقعِ حياةِ المسلمين و يطبقُ عليهم أحكامَ الكفرِ في كل مَنَاحي حَياتِهم في الحُكمِ والإقتصادِ والإجتماعِ والتعليم، ولا يُحرِرُها مَن انسَلَخُوا عن أُمَّتِهم وارتَمَوْا بأَحضانِ أمريكا وأوروبا وتَحالفوا مع أَعداءِ الأمَّةِ والدينِ لاستهدافِ الاسلامِ وأهلِهِ، ولا يُحَرِرُها مَنْ تَنازَلوا عن أَحْكامِ دِينِهِم لصالحِ الشَرْعِيةِ الدوليةِ الكافِرةِ ومُنظَامَتها الإستعماريةِ الأُمَمَ المتحدةِ التي رسَّخَت وتُرَسِّخُ وُجودَ كيانِ يَهودَ في الأرضِ المُباركةِ فلسطينَ بكل قَراراتِها بالإضافة لقرارِ ترمب الإعترافَ بالقدسِ عاصمةً لكيانِ يهود، ولا يُحررها مَنْ ألغَو الجهادَ وأَسْقَطوا الخيارَ العسكري ولن يحررها من يدعي وصاية ودورا وهو من يمنع القرار السياسي بتحريك الجيوش ويحاكم ويطارد ويعتقل كل من يطالب بتحريك الجيوش لأنه الحل الشرعي الوحيد الذي فرضه الله تعالى.


أيها المسلمون:
إن الحل الشرعِي الوحيد في التعاملِ مع كيانِ يهودَ ومع مَن يَدْعَمُه ويَمُدُّهُ بأَسبابِ البَقاءِ والوُجودِ، ولا يُحررها مَن جَعلوا السلامَ وحل الدولتين وأن القدس الشرقية هي عاصمة ما يسمى الدولة الفلسطينية معَ يهودَ خَيارَهُم الإستراتيجي، ولايحررها من يفتح لكيان يهود السفارات في بلادنا كي يقيموا الإحتفلات مع عصابة خائنة لدينها وامتها غيرا آبهين ولا مستحين من الله ورسوله والمؤمنين، فكُلُّكم يَعلمُ أنَّ كيانَ يهودَ يقوم كل يوم باعتداءات واقتحاماتِ وانتهاكات وقتل واعتقال ومصادرات وتصدر محاكمه القرارات تلو القرارات ويتخذ مجلس وزرائه القرارات تلو القرارات وتتحرك قطعان يهود بشكل مستمر في فرض الانتهاكات محمية بشرطة الإحتلال ، فهَلْ بَقيَ حُجَّةٌ لِمُحْتَجٍ في الإستمرارَ في اعتبارِ السلامِ مع كيانِ يهودَ خياراً استراتيجياً، هل بَقي عُذرٌ لِمُعتذرٍ للتمسكِ بمعاهداتِ الصلحِ والسلامِ مع كيانِ يهودَ إلا الإصرارَ على الخيانةِ ومواصلةِ التآمرِ على الأقصى والقدسِ وكلِّ فلسطين، فلا تَتَوَقفُوا أيها المسلمون عن مواصلةِ إسْتِصْراخِ جُيوشِكم لِنُصْرَةِ القدسِ والأقصى لَعَلَّهُم يَتَحركون طاعة لله وأوامره وضِدَّ إرادةِ قيادَتِهِم السيَّاسيةِ ويُعلِنوا إنحيازَهم للأُمةِ وقضاياها .


أيها المسلمون:
إنَّ سُكُوتَكم عن غِيابِ أحكامِ دينكم وعن تَنظيم شؤون حياتِكم في كلِ مَناحِيها وعدمِ جَعْلِ تَطبيقَ أحكامِ الإسلامِ قَضيتَكم المصيرية، يُغْري أعداءَكُم في الاستمرارِ بِاستهدافِكم واستهدافِ دينِكم ومُقَدساتِكم ومُقَدَّراتِ بِلادِكم ويَجعلُ أذنَابَهم من حكامِ العربِ والمسلمين لا يَحْسِبون لَكم أيَّ حِساب، فإلى العملِ لاستئنافِ الحياةِ الإسلامية في دَولةِ الخِلافة على منهاجِ النبُوةِ نَدعُوكُم فَهيَ وَحْدَها التي سَتَشفي صُدورَكم و تُحَركُ الجيوشَ نَحو فلسطين وتَقضي على كيانِ يهود وتنتزعُ القدسَ والأقصى من أنياب كيانِ يهود وتُوقِفُ قوى الكفرِ والطغيانِ عند حدِّهم وعلى رأسِهم أمريكا.


وأخيرا: تأتي حادثة الإسراء والمعراج لتذكر حملة الدعوة بأن ما تلاقوه اليوم من خذلان القريب والبعيد، ومن تآمر الغرب الكافر وأذنابه عليكم، من كل محاولات الأذى والتضييق في الرزق والصد عن السبيل من حكام الضرار في البلاد الإسلامية ، قد لاقى نبيكم مثل ذلك واستمر في حمل دعوته، فقد تعرض للخذلان والدم يسيل من قدميه الشريفتين وهو متوكل على الله صابر محتسب وهو يقول :( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ، إلى بعيد يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك ) فهي ذكرى تشحذ الهمم وترفع الآمال وتذكر بنصر الله وفرجه ومعيته لمن عمل لابتغاء مرضاته.

 

هذا هو لسان حامل الدعوة، وعاقبة الصبر والاحتساب والعمل المخلص لله عز وجل هي الاستخلاف و التمكين في الأرض، قال تعالى: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ).


والحمد لله رب العالمين

     
29 من رجب 1440
الموافق  2019/04/04م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد