11 من محرم 1440    الموافق   Sep 21, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




 

همسات

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 

 

حددت وزراة الأوقاف في الأردن حديث خطبة الجمعة لهذا الأسبوع 2018/2/23 تحت عنوان "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وضوابطه، وحملت الخطبة الموحدة تضليلا كبيرا وتحريفا وتوجيها لهذا الفرض العظيم، بما يريده أصحاب القرار لخطورة مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر توجيها وتضليلا لهذا الفرض الذي يحاربونه ليلا ونهارا، كمثل ربط تغيير المنكر بالحاكم والحرص على وحدة الصف، وكأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفرق بل هو يجمع الأمة حول وحدة الإلتزام بأمر الله ونهيه، وجعل هذا الفرض تحت ضابط وحدة الصف يحمل في خطورته الكثير مما يضمرونه، وكذلك مراعاة الأعراف والتقاليد التي على حد تعبير الخطبة لا تتعارض مع الشريعة، فوق ما في هذا التعبير من ادعاء بعدم شمولية الإسلام لجميع أفعال الإنسان،  فان هذا الفرض لمن خرج عن أمر الله ونهيه ولن نستطيع في عجالة هذه الهمسات ان نقف عند كل الأمور بل سنركز على أبرزها وبالله التوفيق فنقول :


المنكر هو كل ما قبّحه الشرع وحرّمه مِن ترك واجب، أو فعل حرام. وإنكار المنكر حكم شرعيّ أوجبه الله سبحانه على المسلمين جميعاً، أفراداً وجماعات، كتلاً وأمة ودولة. روى مسلم عن أبي سعيد الخدريّ قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكم منكَراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فقلبه، وذلك أضعف الإيمان) وقد أوجب الله على المسلمين أن يقيموا من بينهم تكتلات وجماعات ليدعو للإسلام، وليأمروا بالمعروف ولينهوا عن المنكر، قال تعالى: ( لْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).


وقد شرّف الله سبحانه هذه الأمّة بأن جعلها خير أمّة أِخرِجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله حيث قال: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)


وقد فرّق سبحانه بين المؤمنين والمنافقين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث قال: لْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) وحيث قال:( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَر).


وقد توعّد الله سبحانه المسلمين بالعقاب إن هم سكتوا عن المنكر، ولم يعملوا على تغييره وإزالته، عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( والذي نفسي بيده لتأمُرُن بالمعروف ولَتَنهَوُن عن المنكر أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)، وعن هيثم قال: وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من قوم يُعمَل فيهم بالمعاصي، ثم يَقدِرون على أن يغيّروا، ثم لا يغيّروا، إلا يوشك أن يعمّهم الله منه بعقاب)، وعنه صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد قوله: ( إن الله لا يعذِّب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذّب الخاصة والعامة)، فكل مسلم يشاهد منكراً -أي منكر- أمامه، وجب عليه أن يعمل على إنكاره وتغييره بأحد الأساليب الثلاثة الواردة في حديث أبي سعيد الخدري السابق حسب استطاعته، وإلا لحقه الإثم.


والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على المسلمين في كل الأحوال، سواء أكانت هناك دولة خلافة إسلامية أم لم تكن، وسواء أكان الحكم المطبّق على المسلمين هو حكم الإسلام، أم حكم الكفر، وسواء أحسن الحاكم تطبيق أحكام الإسلام أم أساء التطبيق. وقد كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمارس أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وأيام الصحابة وأيام التابعين وتابعيهم، وسيبقى حكمه قائماً حتى قيام الساعة.


والمنكر قد يحصل من أفراد، أو من جماعات، أو من الدولة. والذي يعمل على إنكار المنكر وتغييره هو الدولة والأفراد والتكتلات، والأصل في الدولة الإسلامية أن يكون الحاكم فيها هو القوّام على رعاية شؤون الناس بأحكام الشرع، وهو المسؤول شرعاً عن منع المنكرات، سواء حصلت من أفراد أو من جماعات، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (الإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته). وقد أوكل الله إليه أن يُرغِم الناس أفراداً وجماعات على القيام بأداء جميع الواجبات التي أوجبها الله عليهم، وإذا استدعى الأمر  استخدام القوة لإرغامهم على أدائها وجب عليه أن يستخدمها، كما أوجب الله عليه أن يمنع الناس عن ارتكاب المحرمات، وإذا استدعى الأمر استخدام القوة لمنعهم من ارتكاب المحرمات وجب عليه استخدامها. فالدولة هي الأصل في تغيير المنكر وإزالته باليد، أي بالقوة لأنها مسؤولة شرعاً عن تطبيق الإسلام، وعن إلزام الناس بأحكامه.


أما تغيير الأفراد للمنكر، فالفرد الذي يرى أمامه منكراً -كأن يرى شخصاً يشرب الخمر، أو يسرق، أو يهمّ بقتل شخص، أو  الزنى بامرأة، أو غير ذلك من المنكرات، وجب عليه أن ينكر هذا المنكر، وأن يعمل على تغييره وإزالته، ويأثم إن لم يقم بذلك. فإن كان قادراً -ولو بغلبة الظن- على إزالة هذا المنكر بيده، وجب عليه أن يبادر إلى تغييره وإزالته بيده، فيَمنَع الشخص من شرب الخمر، أو من السرقة، أو من القتل، أو من الزنى، يَمنع كل ذلك ويزيله بيده، لأنه قادر على تغييره باليد، تنفيذاً لقوله صلى الله عليه وسلم: ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده) واستعمال القوة، أي القوة المادية لتغيير المنكر، منوط بالقدرة الفعلية -ولو بغلبة الظن- على تغيير عين هذا المنكر وإزالته باليد، فإن عُدِمت قدرة الإزالة لا يستعمل اليد، لأن استعمالها عندئذ لا يحقق الغرض الذي استُعملت اليد من أجله، وهو تغيير المنكر وإزالته، فمناط استعمال اليد الوارد في الحديث منوط بالقدرة على تغيير المنكر بالفعل، بدليل أن الحديث نفسه جعل الانتقال إلى إنكار المنكر باللسان عند عدم الاستطاعة، أي عدم القدرة على تغيير المنكر وإزالته باليد، حيث قال: ( فإن لم يستطع فبلسانه) وإنكار المنكر باللسان لا يعتبر تغييراً للمنكر، وإنما هو تغيير على مرتكب المنكر، أي إنكار عليه ارتكابه المنكر، فإن لم يستطع الإنكار بلسانه فعليه أن يكره ذلك المنكر بقلبه وأن لا يرضى به.


هذا كله في المنكر الذي يحصل من أفراد أو جماعات. أما المنكر الذي يحصل من الحاكم، كأن يأكل أموال الناس بالباطل، أو يمنع الحقوق، أو يهمل في شأن من شؤون الرعية، أو يقصّر في واجب من واجباتها، أو يخالف حكماً من أحكام الإسلام، أو غير ذلك من المنكَرات، ففرضٌ على المسلمين جميعاً أن يحاسبوه، وأن ينكروا عليه ذلك، وأن يعملوا على التغيير عليه، أمّةً، وجيشاً، وتكتلات، وأفراداً، ويأثمون بالسكوت عنه، وبترك الإنكار والتغيير عليه.


إن الإسلام جعل محاسبة الحكام فرضاً على المسلمين وأمرهم بمحاسبة الحكام وبقول الحق أينما كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، أمّا قول الحق والجهر به فإن المسلمين في بيعة العقبة الثانية حين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم قد بايعوه على قول الحق، فقد قالوا في نص البيعة ما نصه: ( وأن نقول الحق أينما كان لا نخاف في الله لومة لائم)، وأمّا محاسبة الحكام وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر فإنه بالرغم من أنها داخلة في آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد جاءت نصوص صريحة بالأمر بمحاسبة الحكام، فعن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، وعن أبي أمامة قال: عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند الجمرة الأولى فقال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله فسكت، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: (أين السائل)؟ فقال: أنا يا رسول الله، قال: (كلمة حق تقال عند سلطان جائر). فهذا نص في الحاكم ووجوب قول الحق عنده ووجوب محاسبته، وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على مكافحة الظلمة مهما حصل في سبيل ذلك من أذى حتى لو أدى ذلك إلى القتل، فقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى أمام جائر فنصحه فقتله)، وهذا من أبلغ الصيغ في التعبير عن الحث على تحمل الأذى حتى الموت في سبيل محاسبة الحكام وكفاح الحكام الظلمة كفاحا سياسيا ووجوب التغيير عليهم من خلال إيجاد حزب سياسي مبدأه الإسلام ويعمل بالصراع الفكري والكفاح السياسي وليس بالعمل المادي التزاما بطريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سار عليها في مكة المكرمة واثبتتها كتب السيرة.


إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة فرضها الله عز وجل في محكم التنزيل ، لأنه بهذه الفريضة يبقى المجتمع المسلم مصونا ومحفوظا من الفواحش والمنكرات، قال الحبيب صلى الله عليه وسلم ؛ في الحديث الصحيح : ( لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم ) ..


وكلمة اخيرة نوجهها للإعلاميين، فواجبكم في منابر إعلامكم أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وأن لا تكونوا أبواقا للأنظمة ودول الكفرفي السكوت عن المنكر، وخاصة أصحاب الأقلام المأجورة التي قدحت وتقدح في مفاهيم الإسلام وأحكامه وتعظّم مفاهيم الكفر وفساده وتطعن في  أنقى وأطهر واشرف الناس، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، ونقول لهم تذكروا قول الله سبحانه: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) وتذكروا قول نبيكم الكريم صلى الله عليه وسلم : ( من عادي لي ولياً فقد آذنته بالحرب فكفوا أقلامكم وقبلها ألسنتكم ولا تلفقوا الأكاذيب عليهم، ستكتب شهادتكم وتسألون، واعلموا أنكم إن كان هدفكم إرضاء هذه الأنظمة أو كسب شيء من متاع  الدنيا، فإن الدائرة سوف تدور عليكم، فمن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ، فمن الواجب عليكم تجاه إخوانكم الذين يدعون لتطبيق شرع الله، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر،شدُّ أزرهم ونشرُ فضائلهم والدفاع عنهم، لا ان تكونوا عوناً عليهم مع أهل الباطل، فهذا حقهم عليكم ، لكي تنالوا رضوان ربكم.





 

     
06 من جمادى الثانية 1439
الموافق  2018/02/22م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد