8 من ذي القعدة 1439    الموافق   Jul 21, 2018

بسم الله الرحمن الرحيم




همسات

غياب تطبيق المنظومة التشريعية وليس الاخلاقية

سبب تراجع الامة الاسلامية

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد،

فقد نشرت وزارة الأوقاف خطبة الجمعة للثامن من شوال لعام 1439 هجرية الموافق للثاني والعشرين من شهر حزيران لعام 2018 ميلادية وعنوانها "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده" ولنا مع هذه الخطبة وقفات...

 

تحدثت الكلمة الموحدة عن المنظومة التشريعية الكاملة في الإسلام وللأسف فقد حصرتها بالفرد حيث بينت أن الإسلام أنزل منظومة تشريعية تنظم حياة الفرد في شتى مناحي الحياة، هذا وإن كان صحيحا فذلك ليس إلا جزء يسير من منظومة الإسلام التشريعية الكاملة للمجتمع فالإسلام لم ينظر للمجتمع على أساس أنه مجموعة من الأفراد كما نظر المبدأ الديموقراطي الرأسمالي، فإن صلحت حياة الفرد صلحت حياة المجتمع باعتباره مكونا من أفراد، بل نظرالإسلام للمجتمع على أنه كل متكامل من أفراد تجمعهم أفكار ومشاعر موحدة وتحكمهم أنظمة من جنس هذه الأفكار فالمجتمع الإسلامي هو المجتمع هو الذي توحد الأفكار والمشاعر الإسلامية بين أفراده ويحكمهم نظام من جنس أفكارهم الإسلامية وهذا النظام هو الخلافة الإسلامية ولا يوجد في الإسلام من نظام إسلامي يحكم الناس بشرع الله إلا الخلافة.

 

والإسلام دين شامل ينظم ينظم جميع أفعال الإنسان وجزء من هذا النظام تنظيم أفعال اللسان وهو الكلام، والإسلام لم يطلق الحبل على الغارب كما فعل النظام الرأسمالي بأن نادى بحرية الكلمة، فقد عني الإسلام أيما اعتناء بأفعال اللسان فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم  يحذر الصحابي الجليل معاذ بن جبل في حديث طويل من خطر اللسان وأفعاله وأنها قد تودي به موارد الهلاك فقد قال صلى الله عليه وسلم: ( ... وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) الترمذي

 

نظم الإسلام الكلام للإنسان وفق خطاب الشارع الكريم فلكل كلام يصدر عن الإنسان حكم شرعي مختص به، فمن الكلام ما هو فرض مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأيما فرض قال الله تعالى: { وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }، وقال صلى الله عليه وسلم: (كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن اللَّه بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم- أي بني اسرائيل-). سنن أبي داود والأحاديث والآيات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قولا وعملا أكثر من أن يتسع المجال لذكرها هنا.

 

ومن الكلام ما هو مندوب مثل الأذكار التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه المباح ككلام الناس مع بعضهم في البيع والشراء والمعاملات فيما بينهم، ومنه ما هو حرام كالغيبة والنميمة ، ومن الكلام المحرم أيضا التجسس على المسلمين ونقل أخبارهم، وأسوأهم من يفعل ذلك للصد عن سبيل الله، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ)، وفي بعض الكلام الحد، كحد القذف وفيه قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). ومن الكلام ما هو مخرج من الملة يستوجب حد الردة إن لم يتب قائله.

 

والايذاء الناتج سواء عن الفرد أو الدولة وسواء عن اللسان او اليد لا يكون وقفه ومواجهته بالوعظ والارشاد فحسب بل بانزال العقوبات المفروضة بحق المعتدي باللسان او اليد على ما حرم الله قولا او عملا بعقيدة هذا الدين أو أحكامه، وهو من صلاحية الحاكم الذي ان قصّر او لم يكن موجوداً وجب على المسلمين إيجاده، فهكذا تحفظ العقيدة ويضمن الافراد والرعية أمنهم من الايذاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ "

 

ومن أعظم الكلام المفروض على المسلمين حمل دعوة الإسلام ورسالته إلى المسلمين لاستئناف الحياة الإسلامية بينهم بإقامة نظام الخلافة فيهم ومن ثم حمل الإسلام إلى الناس كافة، وذلك من أحسن القول وأفضله لقوله عز وجل: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ).

 

وما يشاهد اليوم من تراجع للأمة الإسلامية وغياب على المستوى الدولي ليس ناتج من غياب المنظومة الأخلاقية في حياة الفرد المسلم كما تقول الخطبة الموحدة، فهذا تدليس وتضليل لأن الاخلاق نتائج لأوامر الله، فهي تأتي من الدعوة الى العقيدة، وإلى تطبيق الاسلام بصفة عامة، فالاخلاق لا تجد لها في الفقه باباً خاصاً، والأَمْرُ الأَسَاسِيُّ في الأَخْلاقِ هُوَ أَنـَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكونَ مبنيةً عَلَى العَقِيدَةِ الإِسْلامِيَّةِ، وأَن يَتَّصِفَ المؤمِنُ بِهَا عَلَى أَنـَّها أَوَامِرُ ونواهٍ مِنَ اللهِ تعالى، بل إن السبب يكمن في غياب المنظومة التشريعية الإسلامية التي تنظم حياة المجتمع ككل، بسبب غياب دولة الخلافة الراشدة التي تنظم جميع مناحي الحياة من الاقتصاد والاجتماع والسياسة الداخلية والخارجية والمطعومات والمبلوسات والمعاملات، فالإخلاق صفة تختص بالفرد وهي ثمرة التمسك بالحكم الشرعي، أي انها تأتي وتنتج طبيعيا من تطبيق الاحكام الشرعية، أما ما نراه اليوم من استباحة لدماء المسلمين من الغرب الكافر المستعمر ونهب لثروات المسلمين إنما هو بفعل تطبيق الأنظمة البشرية الوضعية أنظمة الغرب الكافر المستعمر الذي نصب علينا نواطيرا حكاما للبلاد الإسلامية الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة.

 

والإسلام كما نظم أفعال الكلام فإنه نظم أفعال اليد أيضا فقد حرم القتل بغير الحق وحرم البطش بالناس وظلمهم، وما نراه اليوم من تنكيل وبطش بحملة الدعوة والذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكرمن الحبس والتضييق في الرزق والتعذيب والإقامات الجبرية هو حرام شرعا ويستوجب غضب الله وعقابه قال تعالى : (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد)...

 

ومما يجب على الناس قولا وعملا إزالة المنكر فعلى الفرد تغيير المنكر بلسانه وبقلبه وبيده كل حسب استطاعته وعلى الدولة الإسلامية إزالة المنكر باليد وهذا هو الدور المنوط بها لا كما نرى اليوم من حكام الضرار، حكام البلاد الإسلامية من إشاعة للفاحشة بين المسلمين ببناء دور الرقص والخلاعة والمجون و دور بيع الخمور تحت مسميات الحرية والسياحة والرفاهية ثم يدعون أنهم من المسلمين فأين أنتم من الإسلام ! فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان ) رواه مسلم .

 

ولكن أمرالله آت لا محاله: (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) وقدر هذه الأمة النصر والعزة والتمكين لشريعة ربها بتطبيق نظام الخلافة على منهاج النبوة وإنها لكائنة قريبة بإذن الله فوعد الله حق ومتحقق بمشيئته سبحانه :

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

 

 

المكتب الاعلامي لحزب التحرير/ ولاية الاردن

 

 

 

     
07 من شوال 1439
الموافق  2018/06/21م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد