4 من ذي القعدة 1445    الموافق   Apr 23, 2024

بسم الله الرحمن الرحيم




نداءات القرآن الكريم
من ثمار التقوى فرقان الحق من الباطل، وتكفير السيئات، وغفران الذنوب

قَالَ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). (الأنفال 29)

 

قَالَ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: قَالَ اِبْنُ عَبَّاسٍ وَالسُّدِّيُّ وَمُجَاهِدُ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: (فُرْقَانًا) أي مَخْرَجًا. زَادَ مُجَاهِد فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَفِي رِوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس: (فُرْقَانًا) أي نَجَاة. وَفِي رِوَايَة عَنْهُ: (فُرْقَانًا) أي نَصْرًا. وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق: (فُرْقَانًا) أَيْ فَصْلًا بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل، وَهَذَا التَّفْسِير مِنْ اِبْن إِسْحَاق أَعَمُّ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَهُوَ يَسْتَلْزِم ذَلِكَ كُلّه، فَإِنَّ مَنْ اِتَّقَى اللَّه بِفِعْلِ أَوَامِره وَتَرْك زَوَاجِره وُفِّقَ لِمَعْرِفَةِ الْحَقّ مِنْ الْبَاطِل، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ نَصْرِهِ وَنَجَاتِهِ وَمَخْرَجِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَسَعَادَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَتَكْفِيرُ ذُنُوبِهِ هُوَ مَحْوُهَا، وَغَفْرُهَا سَتْرُهَا عَنْ النَّاس، وَسَبَبٌ لِنَيْلِ ثَوَابِ اللَّه الْجَزِيل كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللَّه وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَته وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاَللَّه غَفُور رَحِيم). فَإِذَا اِتَّقَى الْعَبْدُ رَبَّهُ - وَذَلِكَ بِاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ - وَتَرَكَ الشُّبُهَاتِ مَخَافَةَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَشَحَنَ قَلْبَهُ بِالنِّيَّةِ الْخَالِصَة، وَجَوَارِحَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة، وَتـَحَفَّظَ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ الْخَفِيِّ وَالظَّاهِرِ بِمُرَاعَاةِ غَيْرِ اللَّهِ فِي الْأَعْمَالِ، وَالرُّكُونِ إِلَى الدُّنْيَا، وَاتَّقَى اللهَ تَعَالَى بِالْعِفَّةِ عَنْ أَكْلِ الْمَالِ الحرام، جَعَلَ اللهُ لَهُ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل فُرْقَانًا، وَرَزَقَهُ فِيمَا يُرِيد مِنْ الْخَيْر إِمْكَانًا.

وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق: (فُرْقَانًا) أَيْ فَصْلًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِل; وَقَالَ اِبْن زَيْدٍ السُّدِّيّ: (فُرْقَانًا) أَيْ نَجَاة . وَقَالَ الْفَرَّاء (فُرْقَانًا): أَيْ فَتْحًا وَنَصْرًا. وَقِيلَ: فِي الْآخِرَة، فَيُدْخِلكُمْ الْجَنَّةَ، وَيُدْخِل الْكُفَّارَ النَّارَ.


إِنَّ تَقْوَى اللهِ تَعنِي أَنْ يَجْعَلَ العَبدُ بَينَهُ وَبَينَ مَا يَخْشَاهُ مِنْ رَبِّهِ، مِنْ غَضَبٍ أَوْ سُخطٍ أَو عِقَابٍ، وِقَايَةً تَقِيهِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ عَرَّفَ أَحَدُ العُلَمَاءِ التَّقْوَى فَقَالَ: ((هِيَ أَنْ يَجِدَكَ اللهُ حَيثُ أَمَرَكَ، وَأَنْ يَفْتَقِدَكَ حَيثُ نَهَاكَ)). وَعَرَّفَهَا ثَانٍ فَقَالَ: ((هِيَ الرِّضَا بِالقَلِيلِ، وَالعَمَلُ بِالتَّنزِيلِ، وَالخَوفُ مِنَ الجَلِيلِ، وَالاستِعْدَادُ لِيَومِ الرَّحِيلِ)). وَعَرَّفَهَا ثَالِثٌ فَقَالَ: (( هِيَ أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، تَرجُو ثَوَابَ اللهِ، وَأَنْ تَترُكَ مَعصِيَةَ اللهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، تَخَافُ عِقَابَ اللهِ)). وَالتَّقْوَى هِيَ خَيرُ زَادٍ، وَأَهْلُ التَّقْوَى هُمْ أُولُوا الأَلبَابِ، أَيْ أَصْحَابُ العُقُولِ الـمُستَنِيرَةِ، قَالَ تَعَالَى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى، وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ). وَإِنَّ أَعْظَمَ ثَمَرَةٍ لِلتَّقْوَى هِيَ نَيلُ رِضْوَانِ اللهِ، وَهُوَ الغَايَةُ الَّتِي يَطْمَحُ إِلَيهَا كُلُّ مُؤْمِنٍ، بَلْ هُوَ غَايَةُ الغَايَاتِ جَمِيعًا. وَمِنْ ثِمَارِ التَّقْوَى أَنَّها تُسَاعِدُ الـمَرءَ في اكتِسَابِ العِلْمِ. قَالَ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ). (البقرة 282)


إِنَّ تَقْوَى اللهِ تُنَجِّي الـمُؤْمِنَ وَتـُخرِجُهُ مِنَ الـمِحْنَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَتـَجْلِبُ لَهُ الرِّزْقَ قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحتَسِبْ). هَا هُوَ سَيِّدُنَا يُونُسُ عَلَيهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ يَلْتَقِمُهُ الحُوتُ، وَيَبتَلِعُهُ حَتَّى يُصبِحَ فِي بَطْنِهِ، فَمَا الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْ هَذِه الـمِحْنَةِ؟ إِنَّهَا تَقْوَى اللهِ سبُحَانَهُ. قَالَ تَعَالَى: (فَلَولَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الـمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَومِ يُبعَثُونَ).
إِنَّ تَقْوَى اللهِ تـَجْلِبُ الرِّزْقَ، وَتـَجْعَلُ السَّمَاءَ تُمطِرُ، وَتـَجْعَلُ الأَرْضَ تُـخرِجُ مَا فِيهَا مِنْ خَيرَاتٍ. يَعُمُّ نَفْعُهَا، قَالَ تَعَالَى: (وَلَو أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ). وَقَالَ تَعَالَى: (فَقُلْتُ استَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا. يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُمْ مِدْرَارًا. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ، وَيـَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ، وَيـَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا. مَا لَكُمْ لَا تَرجُونَ للهِ وَقَارًا).


إِنَّ تقَوَى اللهِ تـَجْعَلُ صَاحِبَهَا مُكَرَّمًا عِندَ اللهِ، وَهِيَ مِقْيَاسُ التَّفَاضُلِ بَينَ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ). وَقَالَ صلى الله عليه وسلم مُؤَكِّدًا هَذَا الـمَعنَى: «أَنَا جَدُّ كُلِّ تَقِيٍّ، وَلَو كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا! وَأَنَا عَدُوُّ كُلِّ شَقِيٍّ، وَلَو كَانَ هَاشِمِيًّا قُرَشِيًّا!».
إِنَّ الأَتقِيَاءَ هُمُ الَّذِينَ يَفِيضُ اللهُ عَلَيهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَيُدْرِكُونَ الحَقَّ، وَيُبصِرُونَ الصَّوَابَ، وَيُـمَيِّزُونَ بَينَ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ مِنَ الخَيرِ، وَمَا يَجِبُ تَركُهُ مِنَ الشَّرِّ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَولِهِ تَعَالَى: (يَجْعَلْ لَكُمْ فُرقَانًا).كَمَا إِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ سَبَبٌ فِي تَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ.


وَلَيْسَتِ التَّقْوَى مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تُقَالُ، إِنَّمَا لَهَا وَاقِعٌ عَمَلِيٌّ طَبَّقَهُ رَسُولُنَا صلى الله عليه وسلم، وَطَبَّقَهُ مِنْ بَعدِهِ أَجْدَادُنَا الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِمْ أَجْمَعِينَ، فَفَازُوا بِخَيرَيِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَسَعِدُوا بِرِضْوَانِ اللهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَهَزَمُوا أَكْبَرَ دَولَتَينِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، هَزَمُوا دَولَتَي الفُرسِ وَالرُّومِ، وَنَشَرُوا الإِسْلَامَ فِي رُبُوعِ العَالَمِ، فَكَانُوا بِحَقٍّ خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَكَانُوا هُمُ الـمُؤْمِنُونَ حَقًّا كَمَا وَصَفَهُمُ اللهُ فِي كِتَابِهِ، حَيثُ قَالَ: (أُولَئِكَ هُمُ الـمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).


اللَّهُمَّ وَلِّ علينا خيارنا، وَلَا تُوَلِّ عَلَينَا شِرَارَنَا. اللَّهُمَّ عَلَيكَ بِأَعدَائِكَ أَعْدَاءِ دِينِكَ وَأَعْدَائِنَا الَّذِينَ يَصُدُّونَنَا عَنْ سَبِيلِكَ يَبغُونَهَا عِوَجًا. اللَّهُمَّ اجْعَلْ وِلَايَتَنَا فِيمَنْ خَافَكَ وَاتَّقَاكَ وَاتَّبَعُ فِي الحَقِّ رِضَاكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ وِلَايَتَنَا فِيمَنْ يَرْضَى بِالقَلِيلِ، وَيعمَلُ بِالتَّنزِيلِ، وَيَخَافُ مِنَ الجَلِيلِ، وَيَستَعِدُّ لِيَومِ الرَّحِيلِ. اللَّهُمَّ مُنَّ عَلَينَا بِخَلِيفَةٍ رَاشِدٍ كَالفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ الَّذِي فَرَّقْتَ بِهِ بَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ!!


كتبه للمكتب الإعلامي لحزب التحرير- ولاية الأردن
الأستاذ: محمد النادي

 

     
19 من جمادى الأولى 1439
الموافق  2018/02/05م
   
     
 
  الكتب المزيد
 
  • الدولـــة الإسلاميـــة (نسخة محدثة بتاريخ 2014/12/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الملف) الطبعة السابعة (معتمدة) 1423ه... المزيد
  • من مقومات النفسية الإسلامية الطبعـة الأولى 1425هـ - 2004 م   (نسخة محدثة بتاريخ 2014/10/21م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند فتح الم... المزيد
  • النظام الاقتصادي في الإسلام الطبعة السادسة (طبعة معتمدة) 1425 هـ - 2004م   (نسخة محدثة بتاريخ 2014/01/04م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة... المزيد
  • النظام الاجتماعي في الإسلام الطبعة الرابعة 1424هـ - 2003م (معتمدة)   (نسخة محدثة بتاريخ 2013/09/10م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الصفحة عند ف... المزيد
  • نظــــام الإســـلام   الطبعة السادسة (طبعة معتمدة) 1422هـ - 2001م   (نسخة محدثة بتاريخ 2012/11/22م) (للتنقل بين صفحات الكتاب بكل أريحية الرجاء الضغط على أيقونة "Bookmarks" الموجودة في أعلى الجانب الأيسر من الص... المزيد